وبعبارة أخرى قضيّة ما تقرّر في محلّه ، أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الواجبات الفرديّة كالصلاة والصوم ، ولكنّها كفائيّة كصلاة الميّت .
ولكنّ الذي ينعقد لي قوّته ، أنّها من الواجبات السياسيّة ويكون وظيفة الحكومة أوّلا ، ولا بدّ من تشكيل الوزراء للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كما هو الآن موجود في بعض البلاد المنتسبة إلى الإسلام .
وهذا هو وظيفة الربّانيّين والأحبار ، ولا معنى لذلك إلّا بعد ذاك ؛ لعدم إمكان التصدّي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالنسبة إلى الجائرين والسلاطين الكفّار والفسّاق ، إلّا مع وجود المعدّات والمناسبات التي لا تنجرّ إلى الأضحوكة والاستهزاء ؛ فإنّ الداني لا يتمكّن من أمر العالي ، ولا يكون ذلك عند الأعلام أمرا ، بل النهي والأمر لا يتحقّقان إلّا مع السيطرة والحكومة والاستعلاء أو العلوّ ، كما قيل وقلنا في محلّه « 1 » .
بل في قوله تعالى : و
قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ
نوع شهادة على أنّ طرف النهي ، لا يكون في الآية الأشخاص المتعارفين ، وهكذا يشهد لذلك بعض الآيات الأخر المتقدّمة عليها ، فراجع وتأمّل .
ومنها : قوله تعالى في سورة النساء :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً
« 2 » .
فانظر إلى الآيات السابقة على هذه الآية :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً * يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا
« 3 » .
هامش
( 1 ) . كفاية الأصول : 83 ؛ تحريرات في الأصول 2 : 11 وما بعدها .
( 2 ) . النساء ( 4 ) : 60 .
( 3 ) . النساء ( 4 ) : 58 و 59 .