وثانيا : بأنّ لفظ المحسن - كغيره من الألفاظ - موضوعة بإزاء المعنى الواقعي ، ولا نسلّم كون ذلك إحسانا واقعيّا ، وإنّما هو إحسان في نظر الفاعل ، فلا دلالة في الآية الكريمة على انتفاء الضمان في هذا المقام .
وثالثا : بأنّ غاية ما يستفاد من الآية الكريمة عدم جعل سبيل على المحسنين من جانب الشرع ابتداء ، وأمّا لو فتح المحسن السبيل إلى نفسه بإتلاف أو وضع يد أو نحو ذلك ، فأيّ مانع من الضمان ؟
وأجيب عنه : بأنّ الآية الكريمة قد دلّت على نفي السبيل من أصله ، فالمحسن لا سبيل عليه مطلقا ، ولا يمكن حمل الآية على الإخبار ؛ لبعده عن طريقة الشرع واستلزامه الكذب في غالب الموارد ، بل الظاهر منه إرادة إنشاء الحكم الوضعي وهو عدم ثبوت الغرامة والضمان عليه وهو المدّعى .
ورابعا : بأنّه صرّح بعض الفقهاء بأنّ قاعدة الإحسان تختصّ بصورة دفع المضرّة ولا تشمل صورة جلب المنفعة ، فالدليل أخصّ من المدّعى .
ونوقش فيه بأنّ هذا لا ينطبق على قاعدة اللفظ ؛ نظرا إلى أنّ الإحسان يصدق على إيصال النفع أوضح من صدقه على دفع المضرّة ، فلا وجه للتخصيص بالثاني .
وخامسا : بأنّهم ذكروا في باب اللقطة ونحوها من سائر الأمانات الشرعيّة ، كالدين المجهول صاحبه ، والقراضة في دكان الصنائع مع جهل أربابها ، ونحو ذلك من الصنائع ، أنّ صاحب اليد يتصدّق به عن المالك ، وعلّلوا جوازه بأنّه إحسان محض إلى المالك ، ومع ذلك حكموا بأنّه لو ظهر مالكه فهو ضامن ما يعطيه وإن لم يظهر فقد وصلت إليه الصدقة .
الثاني : قاعدة الاستئمان
، وتقريرها : أنّ الأمانة على قسمين : مالكي وشرعي . والأمانة المالكيّة عبارة عمّا كان بإذن المالك وتسليطه في إثبات اليد عليه . والشرعي ما كان ذلك بإذن من الشارع في إثبات اليد عليه بدون اطّلاع المالك ، كالالتقاط ويد الأولياء على أموال المولّى عليهم من حاكم أو وصيّ أو أب أو جدّ أو أمين لواحد منهم ؛ فإنّه استئمان من الشرع ، ويد المالك على الزكاة والخمس ما لم يتعدّ أو لم يفرط في الأداء ، واليد على مجهول المالك ،