من هنا كان مقصود عبده هو تفسير روح ومعاني آيات القرآن دون الخوض كثيراً في الألفاظ الظاهرية .
ولهذا فإنّه لم يحشُ تفسيره كعادة الكثير من المفسّرين بمسائل اللغة والصرف والنحو وغيرها .
لم يكن عبده يجمع ما يقوله الناس ، يقول في ذلك :
« إنّ اللَّه تعالى لا يسألنا يوم القيامة عن أقوال الناس وما فهموه ، وإنّما يسألنا عن كتابه الذي أنزله لإرشادنا وهدايتنا وعن سنّة نبيّنا الذي بيّن لنا ما نزل إلينا » « 1 » .
كان يسعى إلى عدم طرح اختلافات المفسّرين الماضين ، وينظر إلى القرآن نظرة كلّية على أنّه كتاب واحد ، ولهذا فلم يكن يسعى إلى تفسير الآيات بصورة مجزأة وكأنّها لا ربط لها بغيرها .
كان مخالفاً دائماً مع تفسير الظاهرية والمشبّهة الذين يحيلون نصوص القرآن والحديث على المعنى الظاهري ولا يعطون أهمية للعقل .
مثلًا : في تفسير سورة الكوثر يقول بعض المفسّرين : « إنّ الكوثر نهر أو نبع في الجنة أهداه اللَّه تعالى لنبيّه » « 2 » ، أمّا عبده فيخالف هذا الرأي حينما يقول :
« الكوثر هنا هي تلك النعمة الكبيرة التي وهبها اللَّه للإنسانيّة بإرسال الرسل » .
يعتقد عبده أنّه لو واجهنا نصّ يستلزم معناه الظاهري التشبيه - والمشبّهة
هامش
( 1 ) المصدر السابق 2 : 559 .
( 2 ) لاحظ : الكشف والبيان 10 : 307 ، التبيان 10 : 418 ، البحر المحيط 8 : 519 . مع العلم بأنّ الكوثر قد فسّر على ستّة وعشرين قولًا ، كما في المصدر الأخير .