ومن أيّ شيء خلقوا ، وما هو عملهم في حفظهم وكتابتهم ؟ هل عندهم أوراق وأقلام ومداد كالمعهود عندنا ؟ أو هناك ألواح ترسم فيها الأعمال ؟ وهل الحروف والصور التي ترسم هي على نحو ما نعهد ؟ أو إنّما هي أرواح تتجلّى لها الأعمال ، فتبقى فيها بقاء المداد في القرطاس إلى أن يبعث اللَّه الناس ؟ كلّ ذلك لا نكلّف العلم به ، وإنّما نكلّف الإيمان بصدق الخبر وتفويض الأمر في معناه إلى اللَّه ، والذي يجب علينا اعتقاده من جهة ما يدخل في عملنا هو أنّ أعمالنا تُحفظ وتُحصى ، لا يضيع منها نقير ولا قطمير » « 1 » .
وفي تفسيره لسورة الفيل يقول :
« وقد بيّنت لنا هذه السورة الكريمة أنّ ذلك الجدري أو تلك الحصبة نشأت من حجارة يابسة سقطت على أفراد الجيش بواسطة فرق عظيمة من الطير ممّا يرسله اللَّه مع الريح ، فيجوز لك أن تعتقد أنّ هذا الطير جنس البعّوض أو الذباب الذي يحمل جراثيم بعض الأمراض ، وأن تكون هذه الحجارة من الطين المسموم اليابس الذي تحمله الرياح ، فيعلق بأرجل هذه الحيوانات ، فإذا اتّصل بجسده دخل في مسامه ، فأثار فيه تلك القروح التي تنتهي بإفساد الجسم وتساقط لحمه ، وإنّ كثيراً من هذه الطيور الضعيفة يعدّ من أعظم جنود اللَّه في إهلاك من يريد إهلاكه من البشر » « 2 » .
ولقد أولى الشيخ محمّد عبده أهمية كبيرة في تفسيره هذا للأخلاق ، وكان الهدف منه أصلًا التأكيد على الجانب الاخلأقي والهدايتي والإرشادي في القرآن الكريم .
هامش
( 1 ) المصدر السابق 2 : 560 .
( 2 ) المصدر السابق 2 : 568 .