طلب منها ، ولهذا يلزمنا أن نأخذ مأخذاً في العلوم يُسهّل تحصيلها وييسّرها على الطالب . وفي ظنّي أنّه إذا هذّبت طرق التعلّم لطالب علم البلاغة مثلًا أمكنه أن يبلغ الغاية منه في ثلاث سنين ، وكذلك من أراد بلوغ الغاية من النحو لا يحتاج إلى أكثر من ذلك ، بحيث يصير الطالب بعد هذا فصيحاً بليغاً مميّزاً بين طبقات البلاغة شاعراً بمعنى إعجاز القرآن قادراً على فهم ما جاء في كلام السلف والانتفاع فيما يصلح معاشه ومعاده . .
ومن العلم ما يكون العلم والعمل به واحداً كعلم الكلام ، فإنّ المقصد منه إنّما هو تحصيل اليقين بمسائله .
ومن الناس من إذا سألته في أمر يتعلّق بعقيدة من العقائد فاجأك بقوله : لا تقل ذلك فتكفر ، أو تعتزل ، أو ما أشبه ذلك ! وهو سلاح يتّخذه المرتابون في عقائدهم ترساً يدفعون به ما يخشون من الشبه التي تزلزل عقائدهم ، ولكن هذا الدفاع يدلّ على ارتياب صاحبه في عقيدته قبل نفس الدفاع ، فإنّ صاحب اليقين يرتاح إلى كلّ ما يسمع ، فإن وجد عند مخاطبه شبهة أمكنه أن يزيلها من نفسه . .
ومن سوء الاستعمال في تعليم هذا العلم أن يُعلّم الطالب متن السنوسيّة مثلًا ، وهو لم يُحصّل شيئاً من مبادئ العلوم ، فيقال : إنّ الحكم العقلي ينقسم إلى ثلاثة أقسام : الواجب ، والمستحيل ، والجائز ، ثمّ تُقرأ له هذه الأقسام بالتعاريف الاصطلاحية ، وهو على جهل تامّ بما يعدّه لفهم معنى هذه الألفاظ بدون أن يحصل من معناها إلّاعلى خيالات لا تنطبق على الحقيقة والواقع .
وربّما اعتذر الطالب عن قبول النصيحة بأنّه لا مناص له عن صرف الزمان في قراءة المطوّل ونحوه مثلًا ؛ لأنّ غيره ككتاب الصناعتين « 1 » ليس ممّا قرّره
هامش
( 1 ) أي : صناعتي النظم والنثر ، وهو من تأليف أبي هلال الحسن بن عبداللَّه العسكري المتوفّىسنة 395 ه .