خاتمة
فيها مسائل .
الأولى : إذا لجأ الجاني لحرم مكة المعظمة لم يقتص منه في النفس ولا في الجراح ولا في غيرها ، بل لا يبايع ولا يشارى ولا يطعم ولا يسقى ولا يكلم حتى يخرج منه . نعم إذا جنى في الحرم اقتص منه فيه . ولا يلحق بالحرم المذكور حرم المدينة المشرفة ولا مشاهد الأئمة عليهم السّلام ، إلا أن يلزم من القصاص فيها هتكها ، فيحرم .
الثانية : يستحب العفو عن القصاص في النفس والطرف وغيرهما ، كما حثّ على ذلك الكتاب المجيد وتظافرت به الأخبار ، قال تعالى
وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ
. وفي الحديث : « سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن قول اللّه عز وجل
فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ
قال : يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما عفى عنه من جراح أو غيره » . ويتأكد ذلك في النادم التائب ، فإن في الندم وتأنيب الضمير من الألم النفسي ما قد يزيد على العقاب البدني .
وخصوصا إذا استسلم للقصاص الذي فيه من كسر النفس والإقدام على تحمل المشقة ما يطفئ غضب المعتدى عليه ويشفي غيضه وما يستحق به المستسلم للشكر الجزيل والجزاء الجميل .
الثالثة : إذا عفا من بيده القصاص عن القصاص فليس له الرجوع في ذلك ، لأن حقه قد سقط بالعفو ولا يعود بعد سقوطه ، قال تعالى
فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ
، وعن الإمام الصادق عليه السّلام في تفسير هذه الآية أنه قال : « هو الرجل يقبل الدية أو يعفو أو يصالح ثم يعتدي ، فله عذاب أليم ، كما قال اللّه عز وجل » .