واقعية .
وإن أراد الأعمّ من الحكم الواقعي ، فهو حاصل لمقلدي عصرنا .
والأولى أن يقال : إنّه لو كان الموضوع لنفوذ القضاء هو المجتهد أو من له قوّة الاستنباط فيتّجه الإشكال وأمّا لو قلنا بأنّ الموضوع له هو من روى حديثهم ، ونظر في حلالهم وحرامهم وعرف أحكامهم . فهو كان صادقاً على قضاة عصر الرسول ومن بعده . كما كان صادقاً على المتربّين على أيدي الأئمة من المحدّثين والفقهاء لاتصالهم بالمعصومين ، وسماعهم منهم أو عمّن سمع منهم ، وأمّا في عصرنا هذا فلا يصدق إلّا على من له قوّة الاستنباط حتّى يبذل الجهد بالتتبع في الروايات وينظر في حلالهم وحرامهم ويعرف نهاية أحكامهم فالموضوع لنفوذ القضاء واحد في جميع الأعصار ، غير أنّ بُعد العهد واختلاط الصحيح بالسقيم من الروايات ، والصادر تقية بالصادر لبيان الواقع ، صار سبباً لعدم صدقه إلّا على لفيف قليل أي المجتهدين لأنّهم هم الممارسون بأحاديثهم والناظرون في حلالهم وحرامهم والعارفون بأحكامهم ولا يصدق ذلك على المقلّد المحض الذي لا يعرف شيئاً منها سوى ما جاء في رسالة مقلَّده .
ثمّ إنّ الفرق بين الجوابين واضح فإنّ جواب المحقّق الآشتياني مبنيّ على أنّ الميزان هو العلم بالأحكام لا الاجتهاد ، غير أنّ العلم بالأحكام كان ميسوراً للقضاة الموجودين في زمن النبي مطلقاً ، وأمّا في عصرنا ، فليس ميسوراً إلّا على من له ملكة الاجتهاد .
وأمّا جوابنا فهو مبنيّ على أنّ الميزان في صحّة التصدّي هو ما جاء في لسان الرواية أعني قوله : « روى حديثنا ، ونظر في حلالنا وحرامنا ، وعرف أحكامنا » وهو كان صادقاً للقضاة الموجودين في زمن النبي مطلقاً ( مجتهداً كان أو لا ) ولكنّه في عصرنا هذا لا يصدق إلّا على المجتهد فليس الاجتهاد شرطاً وانمّا هو طريق لتحصيل موضوع الدليل .
نظام القضاء والشهادة في الشريعة الإسلامية الغراء — صفحة 92
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٩٢