أو لا ، وهل كانت لها بيّنة أو لا ؟ فلم يكن هذا الأمر مطروحاً في زمن السؤال فالاستدلال به على مورد القضاء غير صحيح .
وأمّا ما رواه أبو موسى فمن المحتمل أنّ الخصمين حضرا عند النبيّ مرّة ، وأنّ النبي سمع كلامهما وأقام المدّعي البيّنة غير أنّ النبيّ أخّر إصدار الحكم إلى موعد آخر ، ومثل هذا لا يكون دليلًا لما لم يحضر أحد الخصمين مطلقاً عند القاضي . فانحصر الدليل لما روى من طريقنا وهو : صحيح جميل عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال : « الغائب يقضى عليه إذا قامت عليه البيّنة ويباع ماله ويقضى عنه دينه وهو غائب ويكون الغائب على حجّته إذا قدم ولا يدفع المال إلى الذي أقام البيّنة إلا بكفلاء » « 1 » وهذه هي الحجّة الفريدة في المسألة ولكن تجب دراسة مقدار دلالتها على الجواز لكن بعد ملاحظة أمر ، وهو :
أنّ القضاء كان أمراً دارجاً بين العقلاء قبل الإسلام وبعده والأمر به في الروايات منصرفة إلى الصورة الدارجة بينهم ومن المعلوم أنّ القضاء نوع اجتهاد من القاضي في تشخيص الحقّ وهو فرع سماع كلام المتخاصمين عن كثب ، ثمّ الاجتهاد في الوصول إلى الحقّ وهو لا يتحقق إلّا بحضورهما عند القاضي والإدلاء بحجّتهما . هذا من جانب ، ومن جانب آخر ، ربّما تقضى الضرورةُ القضاءَ على الغائب ولو أخّر القاضي القضاء يكون هناك ضرر على المترافع أضف إلى ذلك أنّه لو كانت الغيبة مسوِّغة لإيقاف القضاء ، لسلك المتخلّف هذا الطريق وغاب عن أعين القاضي .
ومقتضى الجمع بين الأمرين هو الأخذ بالقول الوسط الذي لا تتجاوز عنه صحيحة جميل عن محمّد بن مسلم فإنّ قوله : « ويكون الغائب على حجّته إذا قدم » ظاهر في أنّ الخصم الآخر كان مسافراً وغائباً من البلد ، لا حاضراً فيقتصر على الغائب عن البلد ومن الغائب من تطول غيبته ، بحيث يؤدي
هامش
( 1 ) الوسائل : الجزء 18 ، الباب 26 من أبواب كيفية الحكم ، الحديث 1 .