ثمّ إنّه لو ادّعى الجور في الأحكام ، فهو ليس من موارد البيّنة حتّى يقال البيّنة للمدّعي ، لأنّ مورد البيّنة هو الشبهات الموضوعية ، والمفروض أنّ ادّعاء الجور فيها شبهة حكمية ، فيجب على القاضي النظر في الحكم فإن كان حقّاً يقبله وإن كان باطلًا يردّه نعم لو كان مضمون الدعوى غير الجور في الأحكام ، بل كان عدم اجتهاد القاضي ، أو فسقه أو فسق الشهود فعليه حينئذ البيّنة وما ربّما يقال من أنّ طلب الاستئناف ردّ لحكمه ، غير مسموع إذ فرق بين إنكار الحكم مع الاعتراف بكونه على موازين القضاء المقرّرة وبين ردّه لعدم كونه على وفقها ، بحيث لو كان موافقاً لقبله ومثل ذلك ليس ردّاً ولا تشمله المقبولة ، ولأجل ذلك يصحّ الاعتراض سواء أكان القاضي معزولًا أم لا .
وبذلك يظهر أنّ ما اشتهر أنّه لا استئناف في القضاء الإسلامي ، فليس على إطلاقه لأنّه إن أُريد به ، وجود دائرة للقضاء الابتدائي ، ودائرة للاستئناف ، ودائرة ثالثة للقضاء النهائي فالنفي حقّ ، لأنّ الفقيه الجامع للشرائط لا تتحدّد مسئوليته بمرحلة خاصّة .
وإن أُريد أنّه إذا تمّ القضاء يصحّ للمحكوم ، أن يعترض على القضاء البدئي من دون أن يوجّه شكواه إلى شيء من العناصر المؤثرة في القضاء فالنفي أيضاً حقّ .
وإن أُريد أنّ للمحكوم بعد صدور الحكم أن يعترض على أحد العناصر المؤثّرة فيه وأنّه لم يكن جامعاً للشرائط كعدم أهلية القاضي للقضاء ، أو فسق الشاهدين أو الجور في الحكم أو غير ذلك ، فالنفي غير صحيح لما عرفت من أنّ للمحكوم أن يعترض على القضاء وبرفع شكواه إلى قاض آخر .
وسيوافيك الكلام في هذا الموضوع في المستقبل .
وأمّا الفرع الثالث : فهو مبني على كون الحقوقين من باب واحد
سواء كان هناك مطالب أو لا ، وأمّا على ما هو المعروف من الفرق بينهما وأنّ الأوّل ليس