ترى كيف عالج المشاكل بالمواهب الإلهية والطاقات فوق العادة فأخرج نفسه بذلك عن مظنّة التهمة وتحدّث الناس عنه .
فلو حصل مثل ذلك العلم للقاضي غير المعصوم ، فله الحكم أخذاً بالضابطة .
ثمّ إنّ جمع القرائن والشواهد في المحاكم العرفية للتعرّف على صدق المدّعي أو إنكار المنكر أمر رائج فيها وربّما يحولون الأمر إلى الخبراء للتحقيق عن دلالتها على ما يرتئيه القاضي .
نفترض وقوع قتل في البيت أو الشارع أو في غرفة عمل المقتول ، فاتّهم إنسان بأنّه المباشر للجناية فإنّ التحقيق عن الصلة الموجودة ، بين المقتول والمتّهم ، من الحبّ والبغض وعن مكان القتل وزمان وقوعه ، والآلة التي تركت في المحلّ ومدى قدرة المتّهم على إعمالها ، والإمعان في حالته عند مواجهة جسد المقتول . ووجود الانسجام أو التناقض في أجوبة الأسئلة إلى غير ذلك من الأُمور ، يكشف الستر عن وجه الحقيقة ويصل القاضي في ظل نظر الخبراء إلى النتيجة القطعية التي يصل إليها ، كل من نظر في الملفّ وتأمّل فيه ، فهذا النوع من العلم علم حسيّ بمعنى كون مبادئه حسّية ، ولأجل ذلك ربما يضطرّ المتّهم بالإقرار قبل صدور الحكم ، كما ربّما يصل القاضي ببراءته وليس تحصيل العلم فيه أبعد من تحصيله من الشهادة بالعدالة والفسق .
فلو لم نعتمد على هذه القرائن والشواهد أو شهادة الخبراء الذين أحرزت عدالتهم وصدقهم في المقال ، على دلالتها على واحد من الأمرين ، لانتشر الفساد في الأرض ، أو أقفل باب القضاء في زماننا هذا .
ولقد بلغني عن بعض القضاة الممارسين في المحاكم ، أنّ القضاء بالبيّنات فيها قليل جدّاً ، فلا محيص إلّا عن الإقرار ، أو الإحلاف غير أنّ جمع القرائن والشواهد والرجوع إلى الخبراء والأخصّاء ، يكشف السرّ المكتوم ويستعين به
نظام القضاء والشهادة في الشريعة الإسلامية الغراء — صفحة 223
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٢٢٣