تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البلوغ ، حقيقته ، علامته وأحكامه ( وتليه رسالة في تأثير الزمان والمكان على استنباط الأحكام ) — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩

ب . تغيير الأحكام الاجتهادية لتطوّر الوسائل والأوضاع

قد سبق من هذا الكاتب انّ عوامل التغيير على قسمين : أحدهما : ما يكون ناشئا من فساد الأخلاق ، وفقدان الورع ، وضعف الوازع ، وأسماه بفساد الزمان ، وقد مرّ عليك أمثلته كما مرّت مناقشاتنا . والآخر : ما يكون ناشئا عن أوضاع تنظيمية ، ووسائل زمنية جديدة من أوامر قانونية مصلحية وترتيبات إدارية ، وأساليب اقتصادية ونحو ذلك ، وهذا النوع - عند الكاتب - كالأوّل موجب لتغيير الأحكام الفقهية الاجتهادية المقرّرة قبله إذا أصبحت لا تتلاءم معه ، لأنّها تصبح عندئذ عبثا أو ضررا ، والشريعة منزّهة عن ذلك ، وقد قال الإمام الشاطبي ( ت / 790 ه‍ ) في الموافقات : لا عبث في الشريعة . ثمّ طرح لها أمثلة وإليك بيانها : 1 . ثبت عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم أنّه نهى عن كتابة أحاديثه ، وقال لأصحابه : « من كتب عني غير القرآن فليمحه » واستمر الصحابة والتابعون يتناقلون السنّة النبوية حفظا وشفاها لا يكتبونها حتى آخر القرن الهجري الأول عملا بهذا النهي . ثمّ انصرف العلماء في مطلع القرن الثاني بأمر من الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز ، إلى تدوين السنّة النبوية ، لأنّهم خافوا ضياعها بموت حفظتها ورأوا أنّ سبب نهي النبي عليه السّلام عن كتابتها إنّما هو خشية أن تختلط بالقرآن ، إذ كان الصحابة يكتبون ما ينزل منه على رقاع ، فلمّا عمّ القرآن وشاع