. . . . . . . . . .
شرح
النذر بالرجحان ويشهد لصحّة انعقاده من الكافر الإشارة في قوله تعالى :وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ« 1 » وتحتمل الآية أنّها في مقام التصدّق كما أنّ التقييد بزعمهم إشارة إلى البطلان من جهة المنذور أو العمل لا من جهة الجعل من قبلهم .
وعلى أي تقدير فماهيّة النذر هي نحو مشارطة والتزام وتعهّد من العبد للّه على نحو عقد أو إيقاع معاملي جرت عليه سيرة البشرية منذ القدم بين البشر لمن يعظّمونه ويألهونه ولا يعدونه عملا عباديا على نمط العبادات الاصطلاحية بل هي مشوبة بالمعاملة . نعم حيث كانت مع اللّه عزّ وجلّ كان فيها اقتضاء العبادة قد يصدق عليها الدعاء أو الاستغاثة والالتجاء والاستعانة ونحو ذلك لا أنّها بنفسها كذلك ، ولك أن تقول أنّ الأفعال منها ما هو عبادة تامّة ومن الدرجة العليا كالصلاة والصيام والحجّ ونحوه ممّا كان الداعي والغاية القربة مضافا إلى تحديد الماهية من قبل الشارع .
والنمط الثاني من قبيل الزكاة والخمس فإنّها تتأدّى وإن لم يكن الداعي قربيا وإن أثم المكلّف بعدم قصد القربة فليس صحّة أدائها مرهونة بالقربة على أحد القولين المشهورين .
والنمط الثالث : من قبيل الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بناء على أنّ الثاني عبادي فإنّ هذا النمط كالثاني يتأدّى من دون قصد القربة وإن أثم بذلك كالهجرة أيضا فماهيّته غير مرهونة وجودها وأدائها بقصد القربة ويفترق عن النمط السابق أن ماهيّته غير محدودة من قبل الشارع . وهناك نمط رابع ممّا فيه اقتضاء العبادة وليس فيه عبادة بالفعل مثل ما نحن فيه من المعاهدة والمشارطة مع اللّه فإنّها وإن كانت نحو استجارة به تعالى إلّا أنّ الاستجارة قابلة للعبادة وإن لم تكن فعلية كما
هامش
( 1 ) - الأنعام : 36 .