حدود الحديث والمأثور عن الصحابة والتابعين .
ومهما يكن من شيء فقد نشطت مدرسة الحديث في الحجاز في مقابل مدرسة الرأي بالعراق ، وتعصّب لها ناس كثير من الفقهاء وأخذوا يدعون إليها ، في الوقت الذي كانوا يعارضون فيه مدرسة الرأي ، مما ساعد على توسّع هذه المدرسة وتراجع أصحاب الرأي عن موقفهم من الحديث ومن الرأي معا .
وذلك مثل ما حصل عند أبي حنيفة وتلامذته الأولين ، حيث أخذوا يخالفون طريقة أستاذهم أبي حنيفة ، ولم يبقوا أوفياء لها ، فنجد مثلا محمد ابن الحسن الشيباني يرحل إلى المدينة لأخذ الحديث ، وألّف كتاب الآثار ، وأخذ ينزل من كلام أستاذه وأهل العراق على مقتضى الآثار . . . وهكذا تطورت مدرسة الرأي وتباعدت عن طريقها الأوّل بإزاء نهوض الحديث وجهود المحدّثين في هذا العصر « 1 » .
ولما حدثت فتنة خلق القرآن وقف المأمون من أصحاب الحديث موقف المعارض ، فامتحنهم بألوان من التعذيب والبلاء وشدّد في مطاردتهم والتنكيل بهم فأثّر ذلك كلّه في بعد الشقّة بين المدرستين ، مدرسة الرأي ومدرسة الحديث .
وقد كان من أهل الحديث أناس معتدلون يأخذون بالرأي ، إن كان هناك في الحديث أو في الشريعة ما يؤيده ويأمر بالأخذ به ، ويلغون الرأي إن لم يكن في الحديث ما يشير إلى الأخذ به .
هامش
( 1 ) نظرة عامة في تاريخ الفقه : ص 221 - 222 .