تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاجتهاد والتقليد وسلطات الفقيه وصلاحياته — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
الأرض ، وأن تنشر النور والوعي في كل مكان ، لولا أن كانت دولة تسندها . وقد كان من ضمن المخطط الكبير ، أن يسبق الدعوة وجود الدولة ، وأن يسبق هذه الدولة تغيير نفسي عميق للناس ، وبناء للشخصية الإسلامية ، على أسس عقائدية متينة ، لتكون الدولة دولة عقائدية هادفة ، ذات رسالة إلهية في تاريخ هذا الإنسان . فلو لا الدعوة لم تكن الدولة التي أقامها هذا الدين قادرة على تحقيق رسالة اللّه على وجه الأرض ، ولم تكن هذه الدولة ذات رسالة تغييرية في حياة الإنسان ، ولم تكن إلّا شيئا من هذه الحكومات التي تتعاقب على الحكم ، ولا تترك في الحياة الاجتماعية غير هذا الصخب والضجيج والعبث بمصالح الناس . فقد عاشت الدعوة في مكّة ثلاثة عشر عاما من دون دولة ، فلم يؤمن بها غير قلّة في مكّة ، وعاشت هذه الفترة في أزمة ومحنة قاسية . ولم تنتقل الدعوة إلى المدينة ، حيث وجدت الفرصة الكفاية لإقامة الدولة ، حتى استجابت الجزيرة كلّها للدعوة ، وانطلقت رسل الدعوة إلى خارج الجزيرة ، ولم يمرّ عليها قرن ، حتى انفتحت للدعوة أقطار واسعة في آسيا وإفريقيّة وأوروبا أيضا . وليس ذلك إلّا لهذا الالتحام الوثيق بين الدعوة والدولة في الإسلام ؛ لأنّ أمر الدولة والحاكمية من صميم هذا الدين وجوهره ، وليس شيئا طارئا عليه ، حصل صدفة في حياة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وبعده ، دون أن يكون هناك مخطّط واسع لتحقيق هذه الدولة .