وكان هذا إعلانا بانتهاء فترة ، وبدء مرحلة أخرى من العمل ، وإعلانا لطبيعة هذه الدعوة وأصالة الحاكمية فيها ورأيها في الحكم ، وأنّ
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ
.
وقد كان هذا المعنى واضحا للمسلمين من المهاجرين والأنصار ، الذين أقاموا هذا المجتمع ، فلم يستغرب أحد منهم أن يقيم النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم دولة ، وأن يتولّى في هذا المجتمع شؤون الحكم والإدارة والسياسة والحرب .
وكان واضحا لغير المسلمين أيضا . فقد عرفوا من طبيعة هذه الرسالة ، أنّها رسالة حاكمة ، وأنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إذا ما تحوّل إلى المدينة فسيدخلها حاكما ، ويتسلّم فيها زمام الحكم والإدارة والحرب والسلم والمال .
الموقف الجديد :
وقد تغيّر شيء كثير من موقف هذا الدين تجاه أعدائه ومناوئيه . فبينما كان الموقف في مكّة يتّسم بكثير من اللّين والمرونة من جانب المسلمين ، تحوّل الموقف في المدينة إلى موقف القوّة وردّ العنف بالعنف والاعتداء بمثله ، وكان من الطبيعي جدّا ، أن ينطوي التخطيط النبوي على هذا التفكيك في المرحلة ، من حيث موقف المسلمين إزاء أعدائهم ومناوئيهم . فقد كان المسلمون في مكّة ضعفاء ولا يقوون على مواجهة الاعتداء بمثله . وأيّ عنف في المواجهة من جانب المسلمين ، كان يؤدّي إلى احتدام الصراع بين الرسالة الجديدة والجاهلية الحاقدة ، وإلى القضاء على الطليعة المؤمنة التي كانت تحمل مسؤولية الرسالة في تلك المرحلة من حياة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .
وحينما تحوّل المسلمون إلى المدينة ، تغيّر الوضع وأصبح المسلمون