أن يشرّدوا فلا يتركوا يأوون في بلد » ما هذا لفظه : « والنفي هو تشريدهم عن الأمصار والبلدان فلا يتركون يأوون بلداً ، ويروى نحو هذا عن الحسن والزهريّ . وعن ابن عبّاس :
أنّه ينفى من بلده إلى بلد غيره ، كنفي الزاني ؛ وبه قال طائفة من أهل العلم . قال أبو الزناد :
كان منفى الناس إلى باضع من أرض الحبشة ، وذلك أقصى تهامة اليمن . وقال مالك :
يحبس في البلد الذي ينفى إليه كقوله في الزاني . وقال أبو حنيفة : نفيه حبسه حتّى يحدث توبة ؛ ونحو هذا قال الشافعيّ ، فإنّه قال في هذه الحال يعزّرهم الإمام ، وإن رأى أن يحبسهم حبسهم . وقيل عنه : النفي طلب الإمام لهم ليقيم فيهم حدود اللَّه تعالى ، وروي ذلك عن ابن عبّاس . وقال ابن شريح : يحبسهم في غير بلدهم ؛ وهذا مثل قول مالك . وهذا أولى ، لأنّ تشريدهم إخراج لهم إلى مكان يقطعون فيه الطريق ويؤذون به الناس فكان حبسهم أولى . وحكى أبو الخطّاب عن أحمد رواية أخرى معناها أنّ نفيهم طلب الإمام لهم ، فإذا ظفر بهم عزّرهم بما يردعهم . ولنا : ظاهر الآية ، فإنّ النفي الطرد والإبعاد ، والحبس إمساك ، وهما يتنافيان . فأمّا نفيهم إلى غير مكان معيّن فلقوله سبحانه :
« أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ »
، وهذا يتناول نفيه من جميعها . وما ذكروه يبطل بنفي الزاني ، فإنّه ينفى إلى مكان يحتمل أن يوجد منه الزنا فيه . ولم يذكر أصحابنا قدر مدّة نفيهم ، فيحتمل أن تتقدّر مدّته بما تظهر فيه توبتهم وتحسن سيرتهم ، ويحتمل أن ينفوا عاماً كنفي الزاني . » « 1 »
وقال ابن رشد الأندلسيّ : « واختلف أيضاً في قوله :
« أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ »
، فقيل : إنّ النفي هو السجن ، وقيل : إنّ النفي هو أن ينفى من بلد إلى بلد فيسجن فيه إلى أن تظهر توبته ، وهو قول ابن القاسم عن مالك ، ويكون بين البلدين أقلّ ما تقصّر فيه الصلاة ؛ والقولان عن مالك . وبالأوّل قال أبو حنيفة . وقال ابن الماجشون : معنى النفي هو فرارهم من الإمام لإقامة الحدّ عليهم ، فأمّا أن ينفى بعد أن يقدر عليه فلا . وقال الشافعيّ : أمّا النفي
هامش
( 1 ) - المغني ويليه الشرح الكبير ، ج 10 ، صص 313 و 314 .