أقول : لا دليل على القول الأوّل ولا نعرف له وجهاً ظاهراً ، وأمّا قوله عليه السلام في خبر عبيد اللَّه بن إسحاق : « يفعل ذلك به سنة ، فإنّه سيتوب وهو صاغر » وإن كان فيه إيماء إلى ذلك ، إلّا أنّه غير معتبر سنداً ولا يصلح للاستدلال به .
وكذلك لا دليل على القول الثانيّ ، لأنّه لم يرد ذلك إلّا في الخبر المذكور ، مضافاً إلى كونه شاذّاً لم يعمل به غير ابن سعيد رحمه الله . فالمحكّم هو إطلاق الآية الشريفة ، ومقتضاه عدم تأثير التوبة بعد الظفر به في إسقاط العقوبة .
الأمر الثالث : في قصد بلاد الشرك
ذكر الماتن رحمه الله وجمع ممّن تقدّم عليه وتأخّر عنه أنّ المحارب المنفيّ لو قصد بلاد الشرك لم يمكّن من الدخول إليها ، فإن مكّنوه قوتلوا حتّى يخرجوه « 1 » ، بل لعلّه يستظهر ادّعاء الإجماع عليه من عبارة الشيخ رحمه الله في الخلاف « 2 » .
أمّا منعه من دخول بلاد الشرك فهو أمر مطابق للاعتبار إجمالًا ، لأنّه ربما ينجرّ ذلك إلى تقويته في المضادّة مع المسلمين والحكومة الحقّة من ناحيتهم . أضف إلى ذلك أنّه لا يمكن حينئذٍ التضييق عليه بمثل منع المبايعة والمؤاكلة وغيرهما ممّا مرّ سابقاً .
ولكنّ الحقّ أنّ أمر ذلك موكول إلى نظر الإمام على حسب ما يراه من المصلحة للمسلمين ، فإن رأى أنّ دخوله في تلك البلاد صلاح لمجتمع المسلمين فلا يمنعه ، بل لعلّه ربما يوجب ذلك أن ينفيه إلى بلادهم . ولعلّه السرّ في فعل أمير المؤمنين عليه السلام حيث كان إذا نفى أحداً من أهل الإسلام نفاه إلى الديلم ، وهو أقرب بلد من أهل الشرك إلى الإسلام ، كما
هامش
( 1 ) - راجع : المصادر الماضية من كتب : النهاية ، والمهذّب ، وكتاب السرائر ، والجامع للشرائع ، وقواعد الأحكام ، وتحرير الأحكام ، واللمعة الدمشقيّة ، والدروس الشرعيّة ، ومجمع الفائدة والبرهان ، وكشف اللثام ، وتحرير الوسيلة .
( 2 ) - راجع : كتاب الخلاف ، المصدر السابق .