الثاني : حسنة جميل بن درّاج ، ومقتضاها كفاية النفي من مصر إلى آخر ، وقد مرّ ذهاب جمع من القدماء إلى ذلك .
الثالث : حسنة حنان ، وهي تدلّ بإطلاقها على أنّه لا يبايع ولا يؤوى ولا يتصدّق عليه حتّى في البلد المنفيّ أيضاً . ويستفاد من ضميمة هذه الرواية إلى سابقتها أنّه ينفى إلى بلد آخر ، ولكنّه يضيّق عليه هناك بالأمور المذكورة وأمثالها ممّا يشقّ بها الأمر عليه ، مثل عدم مناكحة أهل البلد ومؤاكلتهم ومشاربتهم معه كما مرّ في خبر المدائنيّ ، وعدم إيتائهم إيّاه الطعام كما مرّ في خبر زرارة .
وهذه المواجهة الحاسمة توجب غالباً وطبعاً أن يخرج المحارب من ذلك البلد إلى بلد آخر ولا يستقرّ على مكان خاصّ . وهذا هو الذي صرّح به في خبر عبيد اللَّه المدائنيّ أيضاً ، وإليه ذهب الماتن وأكثر الأصحاب رحمهم الله ، وهو القول الحقّ .
وأمّا المعنى الثاني الذي ذهب إليه المفيد وبعض آخر ، وهو أنّ المراد من النفي تشريده من جميع البلاد بمعنى أنّه كلّما قصد بلداً نفاه الحاكم أو وكيله منه فلا يترك يأوي في بلد ، فليس عليه دليل في الأخبار . وأمّا التمسّك لذلك بقوله تعالى :
« أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ »
نظراً إلى إطلاق لفظ الأرض فيه ، وأنّ النفي من وجه الأرض لا يتحقّق إلّا بأن لا يكون له مقرّ يستقرّ فيه ، فهو في غير محلّه ، وذلك لأنّ مقتضى اللفظ المذكور نفيه من مجموع الأرض ، وهذا أمر غير متحقّق في زمان نزول الآية . فالتعبير المذكور تعبير كنائيّ ومجازيّ ، وتعيّن المعنى الذي ذكره المفيد رحمه الله وغيره من دون وجود أيّ قرينة وشاهد عليه غير موجّه . وهذا بخلاف ما ذهب إليه الماتن رحمه الله من المعنى ، حيث إنّه يوافقه النصّ المعتبر .
وأمّا سائر المعاني ، فهي - مضافاً إلى كونها خلاف المنساق من الآية الشريفة ، وشاذّة عند الأصحاب وعدم ورودها في النصوص المعتبرة - لم يساعد عليها العرف واللغة .