وأمّا ما ذكره ابن زهرة بقوله : « نفوا من الأرض بالحبس ، أو النفي من مصر إلى مصر ، كلّ ذلك بدليل الإجماع من الطائفة عليه » « 1 » وكذا نحوه الذي ذكره أبو الصلاح الحلبيّ والكيدريّ رحمهما الله من دون ادّعائهما الإجماع « 2 » ، فهو وإن كان يتطرّق فيه احتمال إرادة هذا المعنى ، إلّا أنّه يمكن أن يقال : إنّ التعبير بمثل : « من مصر إلى مصر » يفيد النفي من كلّ مصر يقصده إلى آخر ، نظير ما مرّ في المعنى الثاني .
د أن يخرج من البلد الذي كان فيه إلى بلد آخر ويسجن فيه إلى أن تظهر توبته ؛ وهذا قول مالك كقوله في الزاني .
ه المراد منه هو الحبس والسجن ، لأنّ فيه نفياً عن وجه الأرض وخروجاً عن الدنيا مع قيام الحياة ، كما نقل عن صالح بن عبد القدّوس - وقد حبس على التهمة بالزندقة في حبس ضيّق وطال حبسه - أنّه قال :
خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى
إذا جاءنا السجّان فيها لحاجة عجبنا وقلنا : جاء هذا من الدنيا « 3 »
ولأنّ النفي من الأرض حقيقة غير ممكن ، إذ كلّ مكان يرسل هو إليه يكون من الأرض لا محالة ، فالمراد جعله بحيث لا يتمكّن أن يتصرّف فيها تصرّف الأحياء ، فينطبق قهراً على الحبس .
وبهذا المعنى يأخذ الحنفيّون ، وهو الراجح في مذهب الشافعيّ ، ولكنّ الأولى عندهم أن يكون في محلّ آخر ، مثل ما مرّ عن مالك .
وقد ظهر ممّا نقلنا في المعنى الثالث عن الحلبيّين والكيدريّ رحمهم الله أنّهم ذهبوا إلى التخيير بين الحبس والنفي .
هامش
( 1 ) - غنية النزوع ، صص 201 و 202 .
( 2 ) - راجع : الكافي في الفقه ، ص 252 - إصباح الشيعة ، ص 189 .
( 3 ) - معجم الأدباء ، ج 3 ، صص 154 و 155 .