أقول : إنّ الحديث الأوّل يدلّ على الحكم صغرى ، أي : كون السرقة من حقوق الناس ، وكبرى ، أي : كون الأمر في حقوق الناس منوطاً بمطالبة الناس ، ولكن مرّ ضعف الحديث سنداً وإن عبّر عنه في بعض العبارات بالصحيح . والحديث الثاني يدلّ على الكبرى فقط .
وأمّا الحديث الثالث فالظاهر اتّحاده مع الحديث الثاني ، وقد نقل تارة بنحو مبسوط ، وأخرى مجملًا ، فالحديث الثاني شطر من الثالث .
أجل ، إنّ الحديث الثالث مشتمل على جهات عديدة مخالفة لما ثبت في الفقه ، مثل :
قبول إقرار العبد والأمة على نفسهما ، وثبوت زنا غير المحصن بالإقرار مرّة واحدة ، وثبوت الجلد مع الرجم إذا ثبت زنا المحصن بالبيّنة . فلو لم يعمل بهذا الحديث لهذه الجهات وسقط عن الحجيّة ، يسقط الحديث الثاني أيضاً عن الاعتبار ، وذلك لما مرّ من كونهما حديثاً واحداً . اللهمّ إلّا أن يقال : إنّ الجهات المذكورة في الرواية الثالثة المنقولة في التهذيب ، لا تنافي اعتبار الرواية الثانية المرويّة في الكافي .
ولا يخفى أنّ الأحاديث المذكورة بأجمعها تدلّ على اعتبار المطالبة في حقوق الناس وتصرّح بذلك ، فتقييد الحكم بالمطالبة في حقوق الآدميّين أمر مفروغ منه ، وإنّما الاختلاف في حدّ السرقة ، فالحديث الأوّل دالّ على كونه من حقوق الناس بخلاف الثالث . فلو قلنا باعتبار صحيحة فضيل ولم نستشكل فيها بالجهات المذكورة آنفاً ، فهي تقدّم على الحديث الأوّل لضعف سنده . وقد مرّ عن الشيخ الطوسيّ رحمه الله في الخلاف في مسألة السرقة من حرز لغائب أنّ حدّ السرقة من حقوق اللَّه لا من حقوق الآدميّين ، وقد نفى الفاضل الأصفهانيّ عقيب نقل كلام الشيخ رحمهما الله البأس عنه « 1 » . والظاهر أنّهما لم يعتنيا بالحديث الأوّل .
ولكن ذكر صاحب الجواهر رحمه الله أنّ كلامهما واضح الضعف ، وقال في وجهه : « ضرورة
هامش
( 1 ) - راجع : كشف اللثام ، ج 2 ، ص 430 .