المطلب الأوّل : في عقوبة الجريمة
الظاهر عدم الخلاف بين الأصحاب في أنّه يقطع من نبش قبراً وسلب الميّت كفنه وأخرجه من القبر لا من اللحد خاصّة ، بل ادّعي على ذلك الإجماع في كلمات بعضهم . « 1 »
والأصل في القطع بسرقته - قبل عدم الخلاف والإجماع المحكيّ - هو عموم أدلّة السرقة أو إطلاقها ، مؤيّداً ذلك بالنصوص الخاصّة التي مرّت في الطائفة الثالثة ، وذلك لكون القبر حرزاً للكفن ومحلّاً له ، وهتك حرزه يكون بالنبش ، من دون خلاف فيه بين علمائنا ، بل عليه إجماعهم واتّفاقهم على ما ادّعاه جمع منهم « 2 » ، خلافاً لبعض فقهاء العامّة كأبي حنيفة ومحمّد وغيرهما ، حيث ذكروا أنّ النبّاش لا يقطع ، محتجّين بأنّ القبر ليس بحرز وأنّ الكفن معرضاً للتلف لا مالك له ، لأنّ الميّت لا يملك ، وسيأتي تفصيل ذلك في نقل نظريّة فقهائهم .
قال الشيخ الطوسيّ رحمه الله في الخلاف : « النبّاش يقطع إذا أخرج الكفن من القبر إلى وجه الأرض ؛ وبه قال ابن الزبير ، وعائشة ، وعمر بن عبد العزيز ، والحسن البصريّ ، وإبراهيم النخعيّ ، وإليه ذهب حمّاد بن أبي سليمان ، وربيعة ، ومالك ، والشافعيّ ، وعثمان البتيّ ، وأبو يوسف ، وأحمد ، وإسحاق . وقال الأوزاعيّ ، والثوريّ ، وأبو حنيفة ، ومحمّد : لا يقطع النبّاش ، لأنّ القبر ليس بحرز ، لأنّه لو كان حرزاً لشيء ، لكان حرزاً لمثله كالخزائن الوثيقة . دليلنا : قوله تعالى :
« وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما »
« 3 » وهذا سارق . فإن قالوا : لا نسلّم أنّه سارق ، قلنا : السارق هو من أخذ شيئاً مستخفياً متفزّعاً ، قال اللَّه تعالى :
هامش
( 1 ) - راجع : غنية النزوع ، ص 434 .
( 2 ) - راجع : المراسم العلويّة ، ص 260 - إيضاح الفوائد ، ج 4 ، ص 533 - التنقيح الرائع ، ج 4 ، ص 381 - رياض المسائل ، ج 16 ، ص 115 .
( 3 ) - المائدة ( 5 ) : 38 .