أقول : وممّا يؤيّد حمل الطائفة الأولى على ما إذا اعتاد النبش ، أنّ لفظ : « النبّاش » صيغة مبالغة تدلّ على كثرة صدور الفعل من فاعله وكونه بمنزلة الشغل له ؛ قال الفيّوميّ :
« نبشت الأرض ، نبشاً : كشفتها . ومنه : نبش الرجل القبر ، والفاعل : نبّاش ، للمبالغة . » « 1 »
الوجه الثاني :
حمل الأخبار الواردة في الطائفة الثانية على أنّه إذا تكرّر منهم الفعل ثلاث مرّات وأقيمت عليهم الحدود ، فحينئذٍ يجب عليهم القتل ، والإمام مخيّر في كيفيّة القتل كيف شاء حسب ما يراه أردع في الحال ؛ وهذا الحمل أيضاً مذكور في كلام الشيخ الطوسيّ رحمه الله « 2 » .
أقول : أضف إلى ذلك ، ضعف أخبار هذه الطائفة بأجمعها ، وأيضاً كونها حاكية عن قضيّة في واقعة .
الوجه الثالث :
حمل الأخبار الواردة في الطائفة الخامسة على ما إذا لم يكن النبش عادة له ، بل يحتمل جدّاً أن يكون قد سقط منها شيء ، وذلك لما روي عن عيسى بن صبيح نفسه في الحديث الثاني من الطائفة الأولى ، وكان فيه : « يقطع الطرّار والنبّاش . . . » .
قال المحدّث الكاشانيّ رحمه الله في مقام التوفيق بين هذه الطوائف من الأخبار : « يحمل القطع بما إذا ثبت أنّه أخذ الكفن الذي بلغ قيمته نصاب القطع ، لأنّه حينئذٍ سارق ، وسارق الميّت كسارق الحيّ بلا فرق . وإذا لم يثبت ذلك وإنّما ثبت أنّه ينبش القبور ، فإن تكرّر منه الفعل وعُرف بذلك ، قُطع ، وإلّا فلا قطع عليه ، لعدم ثبوت سرقته . وهكذا فعل في التهذيبين إلّا أنّه لم يتعرّض لذكر النصاب . » « 3 »
بعد التمعّن في كلمات الفقهاء والأخبار
نبحث عن المسألة ضمن أربعة مطالب ،
وهي :
هامش
( 1 ) - المصباح المنير ، ص 590 - وراجع في هذا المجال : القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 289 - المعجم الوسيط ، ص 897 - مجمع البحرين ، ج 4 ، ص 154 - المنجد ، ص 786 .
( 2 ) - راجع : الاستبصار ، ج 4 ، ص 248 ، ذيل ح 940 .
( 3 ) - الوافي ، ج 15 ، ص 457 ، ذيل ح 15482 .