قول الشهيد الثاني رحمه الله « 1 » من أنّه يلزم من حدّ غير مردود الشهادة ، فيما إذا ردّت شهادة بعضهم بأمر خفيّ ، ترك الشهادة وتعطيل الحدود ، إذ لم يأمن كلّ شاهد بالزنا ردّ شهادته أو شهادة أصحابه أو بعضهم .
أقول : إنّ الشهادة المستثناة في الآية الشريفة ، ليست هي إلّا الشهادة المقبولة الجامعة لجميع شرائط الشهادة ، لا الشهادة المجرّدة عنها ، ولذا لو ردّت شهادة الكلّ ، فعلى الجميع الحدّ ، سواء كان بأمر خفيّ أو ظاهر .
هذا ، ومن جانب آخر أنّه ليس شرط حدّ الفرية كون القاذف مفرّطاً ، وإلّا فمن يشهد أوّلًا مع القطع بأنّ الجميع يشهدون بعده وامتنع الرابع ولم يشهد ، فيلزم أن لا يكون عليه حدّ ، لعدم كونه مفرّطاً ، في حين أنّ الأمر ليس كذلك .
والظاهر أنّه سبحانه أراد أن يمنع الناس عن الشهادة في مثل ذلك الموضوع ، لأنّه يؤدّي إلى الجهر بالسوء من القول ، وإشاعة الفحشاء بين الناس ، ومدعاة لهتك الحرمات ، ولذا لاحظ فيها القيود الكثيرة ، ككون عدد الشهود بحدّ النصاب ، وكون شهاداتهم متوالية بلا فصل ، وكونها مرئيّة رؤيا العين ، وعدم الاكتفاء بالقرائن والأمارات ، ووثوق كلّ منهم بأنّ الشهود الأخر يشهدون ولا يمتنعون ؛ وذلك حتّى لا يتجرّأ الناس على الشهادة كيفما كان .
ولا ينافيه ترغيب الناس إلى أداء الشهادة وتحريضهم على ذلك ، امتثالًا لقوله تعالى :
« وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ »
« 2 » ؛ لأنّها ناظرة إلى موارد أخرى ، وعلى هذا فلا يخلو حدّ الجميع عن قوّة .
اللهمّ إلّا أن يقال : إنّ النصوص الدالّة على حدّ الفرية تنصرف عن هذه الصورة ، لعدم
هامش
( 1 ) - مسالك الأفهام ، ج 14 ، ص 396 .
( 2 ) - البقرة ( 2 ) : 283 .