تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فقه الحدود والتعزيرات — صفحة 509

مساهمون:

ص٥٠٩
ثمّ إنّه قد يقال : كما يجوز دفعهما إلى أهل نحلتهما ليقضوا عليهما بأحكامهم ، يجوز حكم حاكم الشرع في حقّ الزاني والزانية بموجب دينهما من اليهوديّة والنصرانيّة والمجوسيّة ، وذلك لأنّ المتحصّل من الجمع بين الأخبار التي عرفت ، أنّ الكفّار عندنا ذو حكمين ، فكما يمكن أن يحكم عليهم بحكم الإسلام ، يجوز أن يحكم عليهم بما يقتضيه دينهم ، والمهمّ هو الحكم لا الحاكم ، فكما ينفذ حكم حاكمهم عليهم ، ينفذ حكم حاكمنا عليهم بأحكامهم ، فالمطلوب هو الحكم ، والحاكم طريق إليه . ويدلّ على ذلك ما روي عن عليّ عليه السلام أنّه قال : « ولو ثنيت لي وسادة لحكمت بين أهل القرآن بالقرآن حتّى يزهر إلى اللَّه ، ولحكمت بين أهل التوراة بالتوراة حتّى يزهر إلى اللَّه ، ولحكمت بين أهل الإنجيل بالإنجيل حتّى يزهر إلى اللَّه ، ولحكمت بين أهل الزبور بالزبور حتّى يزهر إلى اللَّه . » « 1 » وفيه ، أوّلًا : إنّ الحديث مرسل غير حجّة ولم يذكره أحد من المشايخ في كتبهم ، وثانياً : إنّ دلالته على ذلك مشروطة بكون المراد من الحكم بينهم هو حكم القضاء والحقوق على طبق مرامهم بعد ما جاء الإسلام ونسخ دينهم مع ما فيه ، والظاهر من الخبر - على فرض صحّته - أنّه غير ناظر إلى هذه الجهة ، بل الإمام عليه السلام يخبر عن علمه بجميع الأديان ، كتبها وشرائعها ، ويؤيّد ذلك أنّ وجود أحكام القضاء والحقوق والجزاء في تلك الشرائع غير معلوم ، بل معلوم العدم ، لأنّها كانت أدياناً موقّتة ، وشرائع منقطعة ، لا جامعة خالدة . وأمّا أهل السنّة فقد وقع الخلاف بين فقهاءهم في إقامة الحدود على أهل الذمّة ، فقد نقل عن أبي حنيفة ومالك أنّهما قالا : لا حدّ على أهل الذمّة في الزنا ، وقال محمّد بن الحسن صاحبه : لا أمنع الذمّيّ من الزنا . وقال الشافعي وأحمد وأصحابهما : عليهم الحدّ في كلّ ذلك ، وحينئذٍ فإذا تحاكموا إلينا
هامش
( 1 ) - بحار الأنوار ، الباب 93 ، ح 28 ، ج 40 ، ص 136 .