اللبس متعلّق بذات الحقّ والباطل من دون تعيين حقّ أو باطل معيّنين موجودين في الخارج . ففي مثل هذه الأمور نظرا إلى أنّ الحكم الشرعي قد تعلّق فيها بحقيقة الموضوع وذاته من دون أن يلحظ فيه وجوده في الخارج أو تحقّقه ضمن مصداق خارجي خاصّ ، فالقضايا فيها تسمّى : « قضيّة حقيقيّة » ، أي : قضايا تعلّقت بحقيقة الموضوع وذاته دون اعتبار مصداق خارجي معيّن .
والفارق العملي بين الأحكام الشرعية الصادرة على نحو « القضيّة الخارجيّة » والأحكام الشرعية الصادرة على نحو « القضيّة الحقيقية »
أنّ الشارع في الأحكام الشرعية من النوع الأوّل : يتصدّى بنفسه لتطبيق الحكم على موضوعه الخارجي ؛ لأنّ المفروض أنّ الموضوع الذي تعلّق به الحكم الشرعي أمر خارجي معيّن ، فليس على المخاطب الذي يوجّه إليه هذا النوع من الحكم إلّا أن يقوم بتنفيذ الحكم وامتثاله خارجا ، فالحكم في هذا النوع جاهز للامتثال ، وليس على المكلف أن يقوم بأيّ دور خاصّ في تهيئة مقدّمات الحكم وإعداده للامتثال .
أمّا الأحكام الشرعية من النوع الثاني : فليست جاهزة تماما ، بل على المكلّف أوّلا أن يبحث ويفحص عن المصاديق الخارجيّة التي ينطبق عليها موضوع الحكم ، ويتأكّد من كونها مصداقا لموضوع الحكم ، ثمّ يقوم بتنفيذ الحكم وامتثاله بعد تعيينه مصداق الموضوع والتأكّد من انطباق موضوع الحكم الشرعي عليه .
ففي مثل :
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ
« 1 » ، أو :
اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى
« 2 » ، لا حاجة أن يقوم المكلف بأيّ جهد في سبيل تعيين مصداق البيت الذي يجب أن يحجّ إليه ؛ لأنّه معيّن في الحكم الشرعي ، كما لا حاجة لأيّ جهد في سبيل تعيين مصداق
هامش
( 1 ) . سورة آل عمران : 97 .
( 2 ) . سورة البقرة : 126 .