ثانيا : تخصيص الوراثة هنا ب « الوراثة في العلم » خاصّة : يجعل القضيّة قضيّة بشرط المحمول ؛ وهو خلاف التعبير العرفي ، فيتعيّن أن يكون المراد بالوراثة : وراثة الأنبياء في عامّة شؤونهم التي جاؤوا من أجلها . توضيح ذلك :
إنّ المقصود ب « العلماء » في الرواية المبحوث عنها : ليس العلماء بعلوم أخرى غير علوم الأنبياء ، فليس المقصود بهم مثلا : الأطباء ، أو المهندسين ، أو غيرهم من أهل العلم بالعلوم الطبيعية أو الرياضية أو غيرهما ( وخاصّة في النصّ الذي جاء بلفظ الفقهاء ) ؛ بل المقصود بهم - قطعا - : العلماء بعلوم الدين ، التي هي علوم الأنبياء ، وحينئذ فلو كان المقصود بوراثة هؤلاء العلماء للأنبياء : كونهم علماء بالدين ، وأنّ علوم الأنبياء قد انتقلت إليهم لا غير ؛ كان معنى الرواية : أنّ العلماء علماء ! ! وأنّ الذين يعلمون علوم الدين هم الذين يعلمون علوم الدين ! ! فتكون القضيّة سخيفة خالية عن المعنى ، وتتحوّل إلى قضيّة بشرط المحمول ، ومن النوع الذي قيل فيه : « وفسّر الماء بعد الجهد بالماء » !
فلا بدّ أن يكون المقصود بالوراثة : خلافة العلماء للأنبياء ، ومرجعيّتهم للناس في شؤونهم التي يرجعون فيها إلى الأنبياء ، وأن يكون وصف « العلماء » وصفا معرّفا لهؤلاء الخلفاء الوارثين مقام الأنبياء ، وهو المطلوب .
الحديث الخامس :
ما جاء في ذيل الخطبة المعروفة بالشقشقية ، وهي من مشهورات خطب أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه ، وجلائل كلماته المعروفة عنه . قال صلوات اللّه عليه في خاتمة كلامه في هذه الخطبة :
أما والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة ؛ لولا حضور الحاضر ، وقيام الحجّة بوجود الناصر ، وما أخذ اللّه تعالى على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم ، ولا سغب مظلوم ؛ لألقيت