أمّا دلالتها فقوله ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) : « العلماء ورثة الأنبياء » يدلّ على وراثة العلماء عن الأنبياء في كلّ ما هو من شؤون الأنبياء ، ومن ذلك : الولاية العامّة ، والقيادة السياسية التي دلّت على ثبوتها للأنبياء : الأدلّة القطعية من الآيات والأخبار المتواترة .
إن قيل : إنّ قرينة السياق تمنع عن الإطلاق ، وهي تدلّ على : أنّ وراثة العلماء للأنبياء إنّما هي وراثتهم في علومهم وأحاديثهم ، لا في مطلق شؤونهم ؛ لتشمل وراثتهم في القيادة السياسية والولاية العامّة .
قلنا : أوّلا : إنّ الرواية الأولى - كما هو الظاهر - عبارة عن مجموعة روايات عن رسول اللّه جمعت في حديث واحد ، ومنها : « العلماء ورثة الأنبياء » ، فسياق هذه الرواية - في الأصل - مستقلّ عن سياق سائر مقاطع الرواية ، فلا يمنع إطلاقها ما ادّعي من قرينة السياق . أمّا الرواية الثانية : فقوله : « ذلك أنّ الأنبياء لم يورّثوا درهما ولا دينارا . . »
بيان لعلّة الوراثة ، وليس قيدا للوراثة ، فالوراثة مطلقة ؛ وإن كان سببها خاصّا ، وهو أنّ الأنبياء لا يورّثون إلّا العلم ، فإنّ الأنبياء ليس لديهم ما يورّثونه من متاع الدنيا ؛ وإنّما الذي يملكونه ثمّ يخلفونه من بعدهم هو : علومهم ومعارفهم ، وذلك كما لو أنّ أحدا عيّن لنفسه وكيلا في شؤونه وأموره ، وأطلق له الصلاحيّات ، وكان السبب في ذلك معرفة الوكيل وبصيرته بالأمور ، فالصلاحيّات العامّة المطلقة للوكيل إنّما خوّلت له بسبب خاصّ ، وهو البصيرة بالأمور ، فكما لا ينافي خصوص السبب هنا عموم الوكالة ؛ كذلك لا منافاة - في ما نحن فيه - بين خصوص السبب ( وهو العلم ) وعموم الوراثة .
والوراثة - هنا - كالوراثة التي جاء التصريح بها في بعض آيات الكتاب للنبيّين بعضهم عن بعض ، كقوله تعالى :
فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا . يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ
أو قوله تعالى :
وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ
، وغير ذلك من الآيات ، تشمل وراثة الولاية والحكم ، كما تشمل وراثة العلم .