النقطة الثالثة :
بناء على ما مضى : فإنّ الرواية المذكورة تدلّ بوضوح على أنّ الفقهاء هم خلفاء الرّسول ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) خلافة عامّة مطلقة في كلّ ما جاء به الرسول ، إلّا ما خرج بالدليل الخاصّ ، وهو في جملة واحدة : « الرئاسة العامّة في أمور الدين والدنيا » ، أو : المرجعية العامّة الشاملة للفتوى ، والقضاء ، والسلطة السياسية ، وغيرها من شؤون الناس وقضاياهم التي يحتاجون فيها إلى مرجع يرجعون إليه ، وإلى إمام يأتمّون به ، وإلى أمير يأمر فيطاع .
قد يقال : إنّ دلالة هذه الرواية على قيام الفقيه مقام رسول اللّه في كلّ شؤونه - ومنها : الولاية السياسية العامّة ، إلّا ما خرج بالدليل - تتوقّف على جريان الإطلاق في « الخلافة » ، وهو من الإطلاق في المحمول ، وهو ممنوع لعدم جريان مقدّمات الحكمة بالنسبة إلى أفراد المحمول ، كما لا يجري الإطلاق في « الوجوب » إذا قال :
الصلاة واجبة ، أو الحج واجب بحيث يفيد ثبوت كلّ افراد الوجوب ومصاديقه الممكنة . ولكن يجاب عنه :
أوّلا - بعد تسليم كبرى عدم جريان الاطلاق في المحمول - : أنّ مادة ( الخلافة بل وكذا ما يشابههما من مثل الوكالة أو الوصاية ) لها خصوصيّة تمنع عن الإجمال ، ولا تنفكّ عرفا عن إفادة الإطلاق ، فإنّ خلافة الشخص عن شخص تفيد - عرفا - قيامه مقامه في كلّ ما من شأنه القيام به إلّا إذا دلّت القرينة على اختصاص الخلافة بشأن خاصّ ، ولهذا لم يتبادر الشكّ إلى الذهن في إطلاق مثل : « عليّ خليفتي » ، وكذا لو قال القائل :
« فلان وكيلي ، أو : وصيّي » فإنّ مفاد ذلك عرفا إطلاق الوكالة أو الوصاية في كلّ ما يقبل الوكالة أو الوصاية شأنا إلّا إذا دلّ الدليل على التخصيص .
وثانيا : على تقدير ورود الإشكال ؛ فإنّه لا يمنع الاستدلال ، وذلك لأنّ الإجمال وعدم الإطلاق لا يمنع من الدلالة على ثبوت القدر المتيقّن والقدر المتيقّن من الخلافة