فيتعيّن : أن تكون « ما » في قوله :
بِمَا اسْتُحْفِظُوا
للمصدريّة ، وعندئذ يتعيّن أن تكون « الباء » - أيضا - بمعنى السببية ، فيكون المعنى : إنّ النبيين والربّانيين والأحبار يحكمون بالتوراة بسبب أنّهم استحفظوا كتاب اللّه ، وكانوا عليه شهداء .
[ 3 ] : وإذا كانت العلّة في أنّ النبيين والربّانيين والأحبار يحكمون بالتوراة كونهم علماء بالكتاب ، شاهدين عليه - ومن المعلوم أنّ عموم العلّة يستوجب عموم الحكم - ؛ فتكون الآية دالّة بمقتضى عموم العلّة على أنّ « كلّ عالم بالكتاب شاهد عليه : يكون هو الحاكم بالكتاب » . فالكتاب الإلهي - ومنه القرآن العظيم ، كتاب اللّه الأعظم - إنّما يحكم به العلماء به ، الشاهدون عليه .
[ 4 ] : و « الشهادة » في القرآن الكريم - في هذه الآية ، وفي كثير من الآيات - : يراد بها معناها الظاهر ؛ وهو المعنى اللغوي ، لا معناها الاصطلاحي الفقهي ( وهو : الذي يقتل في سبيل اللّه ) ، ومعناها اللغوي : الدليل والحجّة .
والقرائن الكثيرة تدلّ على أنّ المقصود ب « الشهادة » في القرآن الكريم : الشهادة التامّة ، أي الشهادة على الحقّ باللسان والوصف والفعل ، وليس باللسان فحسب « 1 » ، كما هو الحال في الشهادة المتعارفة في القضاء إذ يكون الشاهد شاهدا على الحقّ بلسانه فحسب . ومن القرائن على ذلك : التعدية ب « على » فإنّ الشهادة باللسان تتعدّى إلى متعلّقها بنفسها ، كما نقول : « أشهد أن لا إله إلّا اللّه » ، أو بالباء كقوله تعالى :
شُهَداءَ بِالْقِسْطِ
. « 2 »
هامش
( 1 ) . تأمّل - على سبيل المثال - في قوله تعالى :إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ ، نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ، آل عمران : 140 ، وكذا البقرة : 143 ، والحج : 78 ، وغيرها .
( 2 ) . سورة المائدة : 8 .