[ 2 ] : أشارت الآية المباركة إلى أنّ العلّة والسبب الذي جعل الطوائف الثلاث هم الحاكمين بالتوراة هو أنّهم
اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ
، و « ما » في قوله :
بِمَا اسْتُحْفِظُوا
مصدريّة ، فيكون المعنى : « إنّهم يحكمون بالتوراة بسبب استحفاظهم لكتاب اللّه ، وكونهم عليه شهداء » .
و « الباء » هنا تفيد معنى العلّية - كما هو ظاهر - ؛ لأنّه هو المعنى المناسب للدخول على المصدر ( أي : الاستحفاظ ) ، وليس من الصحيح ما زعمه بعض المفسّرين من كون « ما » هنا موصولة ليكون المعنى : « والأحبار يحكمون بالذي استحفظوه من كتاب اللّه » ، فإنه سوف يكون تكرارا غير مفيد لقوله
يَحْكُمُ بِهَا
، بل تكرارا مخلّا ؛ لأنّه يفقد كلمة « الاستحفاظ » شأنها في العبارة ، وتكون كالحشو الزائد ، وهو لا يناسب فصاحة الكلام الإلهي وبلاغته ، ومن أجل ذلك اضطرّ بعض المفسّرين أن يجعل كلمة الأحبار متعلّقا لقوله تعالى :
بِمَا اسْتُحْفِظُوا
، قائلا :
« الباء » في قوله :
بِمَا اسْتُحْفِظُوا
يتعلّق بالأحبار ، فكأنّه قال : « العلماء بما استحفظوا » . « 1 »
ولكنّه لا يرفع الإشكال المذكور ، مع أنّ الخطأ فيه - في ذيل تفسير الآية - واضح ؛ لأنّ كلمة « الحبر » لا يتعدّى بالباء كما هو الحال في كلمة « العالم » ، وليست الكلمتان بشأن واحد من هذه الجهة ؛ وإن كانتا بمعنى واحد ، مع أنّ الظاهر : رجوع الضمير في
اسْتُحْفِظُوا
إلى جميع الطوائف الثلاثة السابقة الذكر ، أو إلى الطائفتين الأخيرتين ؛ وهم : الربانيّون ، والأحبار في أدنى الاحتمالين . واختصاصه بالأحبار خلاف الظّاهر ، ولا قرينة عليه ، ولا معنى لتعلّق الجارّ والمجرور الموصول بمثل
الرَّبَّانِيُّونَ *
.
هامش
( 1 ) . مجمع البيان 3 : 305 .