النقطة الرابعة :
إنّ الذي يستنتجه الباحث خلال مراجعة أقوال الفقهاء والروايات التي تضمّنتها كتبهم الفقهيّة والحديثيّة هو أنّ نظرية ولاية الفقيه فكرة عريقة في المصادر الإسلامية ، تعود بداياتها الأولى إلى عصر الرسول الأكرم ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) ، فقد وردت في النصوص المرويّة عن رسول اللّه والأئمّة المعصومين عليهم السلام ، بل ومارسها رسول اللّه والأئمّة المعصومون بعده ، وكلّ ما يحكيه لنا التاريخ من التنصيبات العامّة - أي : التنصيب في دائرة واسعة من الصلاحيات التي تشمل كلّ السلطات - التي قام بها رسول اللّه والأئمّة الطاهرون بعده ؛ لا تخرج عن دائرة « الفقيه العادل » .
فقد قام رسول اللّه بنصب أمير المؤمنين خليفة عنه على المدينة ، عندما تركها متّجها إلى تبوك ، وقام أمير المؤمنين بتنصيب : محمّد بن أبي بكر ، ومالك الأشتر ، وغيرهما من نظائرهما ، وقد أقرّ الإمام الحسن ولاة أمير المؤمنين بعده ، وبعث الإمام الحسين : مسلم بن عقيل نائبا عنه ، ووكيلا مطلقا . وكلّ هذه التنصيبات لا تعدو أن تكون تنصيبا للفقيه العادل ؛ ليقوم بالدور الذي ينبغي للإمام المعصوم القيام به في إدارة المجتمع .
ومن مصاديق هذا النوع من التنصيب : ما يحكيه لنا النصّ الصحيح - الذي لا شكّ في صحة سنده - عن أحمد بن إسحاق ، عن الإمامين : أبي الحسن الهادي ، والحسن العسكري عليهم السلام ، حول تنصيب الفقيهين الكبيرين : عثمان بن سعيد العمري ، ومحمّد بن عثمان بن سعيد ، قال :
سألته - أي الإمام الهادي - وقلت : من أعامل أو عمّن آخذ ؟ وقول من أقبل ؟ فقال له : العمري ثقتي ، فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدي ، وما قال لك عني فعنّي يقول ، فاسمع له وأطع ، فإنّه الثقة المأمون . قال : وأخبرني أبو عليّ أنّه سأل أبا محمّد عليه السلام عن مثل ذلك ، فقال له : العمري وابنه ثقتان ، فما أدّيا إليك عنّي فعنّي يؤدّيان ، وما قالا لك