ذلك استفادة حكم الصلاة في غير البلاد الشماليّة بهذا المقياس ، فإنّ القدر المغتفر من الانحراف عن القبلة لا يفرّق فيه بين البلاد الشماليّة والجنوبيّة والشرقيّة والغربيّة . وبالجملة ، فمفاده أنّه إنّما يبطل صلاته إذا وصل إلى نصف الدائرة في الانحراف عن القبلة ، لا في ما وصل إلى الأقلّ منه . مع أنّه يمكن دعوى صدق الاستدبار بمجرّد الانحراف إلى ربع الدائرة فما زاد منه ، لأنّه يجعل شيئاً من ظهره إلى القبلة حتّى إذا وصل إلى آخر هذا الربع وهو النصف ، تمّ الاستدبار ؛ ومع ذلك إذا انحرف لا يخرج عن الاستدبار بنصف ظَهره الآخر إلى أن يبلغ آخر هذا الربع الثالث ، فيكون متيامناً أو متياسراً ، لا مستقبلا ولا مستدبراً . وهذا موافق للكناية بالمشرقين عن اليمين واليسار ، يعني إذا استقبل القبلة الواقعيّة ؛ فالانحراف السابق في صلاته إلى يمين هذا المستقبل أو إلى يساره لا يضرّ ، والانحراف إلى نفس اليمين أو اليسار وما بعدهما أخذٌ في الاستدبار ويعدّ منه . وعليه ، فالاستدبار لا يختصّ بالنقطة المقابلة لنقطة القبلة ، بل يشرع من أوّل الربع ، ويكمل في النصف ، وينتهي في منتهى الربع الثالث ؛ فلو وجبت الإعادة في الخارج مع الاستدبار ، لم يبق مورد للتفصيل المنصوص .
ويمكن أن يجعل الانحراف عن اليمين مثلًا ، أخذاً في الاستدبار ؛ وأمّا نفس اليمين فاستقباله مورد تساوي الاستقبال والاستدبار ، فلذا الحق بالاستدبار . ومقتضى الكناية كون المغتفر ربع الدائرة ، أي الأقلّ منه لا نصفها . وقِبْليّة ما بين اليمين واليسار يوافق ما سبق استظهاره من رواية وضع الجدي على اليمين ، وبين الكتفين « 1 » بلا فرض الجهل .
وأمّا ما في « الكشف » من أنّ ملاحظة الآية « 2 » والأخبار هو أنّ الانحراف إلى المشرق كثير وإن لم يبلغ اليمين مثلًا ، وإليه يسير وإن تجاوز المشرق ، يعني أنّ المدار في اليسير والكثير على حيثيّة المشرق والمتجاوز عنه ، لا حيثيّة اليمين والمتجاوز عنه
هامش
( 1 ) الوسائل 3 ، أبواب القبلة ، الباب 5 ، ح 2 .
( 2 ) البقرة ، 177 .