ثم لا يخفى : ان الأمر في الحدود له طرف واحد ، وهو المحدود ، بينما في الأموال والأعراض قد يكون له طرفان : المتنازعان ونحوهما ، فاللازم الموازنة بينهما بدقّة ، حتى لا يميل إلى أحد الجانبين ، وهذا بحاجة إلى رعاية دقيقة ، كي لا يظلم الحاكم أحد المتنازعين لا هذا ولا ذاك .
والحاكم - في أيّ مستوي كان - ليس مبتلى بالقانون فقط ، يطبّقه أو لا يطبقه ، وانما مبتلى بالناس أيضا ، يؤاخذونه بأعماله وإن كان يعمل بتستّر ومن وراء الستار ، وذلك لأنه كما قال الشاعر :
ومهما يكن عند امرئ من خليقة * وإن خالها تخفى على الناس تعلن
هذا بالإضافة إلى رقابة اللّه الدائمة على الإنسان ، والناس يريدون حوائجهم المشروعة بنظر الحاكم ، أو غير المشروعة بنظره أيضا ، مما يجب على الحاكم إعطاء الأول ، والتدوير بالثاني حتى يعطي صورتها المشروعة لهم .
مثلا : إذا كان الشخص يريد بناء داره أو زواج ولده ، وهو بحاجة إلى المال ، والمال لا يمكن تحصيله - ابتداء - إلّا بالربا ، فاللازم على الحاكم أن يعرف كيف يدير الأمر ، حتى يهيأ له المال بدون ربا ، إلى غير ذلك من الأمثلة .
ومعنى ابتلاء الحاكم بالناس : انه يلزم أن يديرهم ويعطي حوائجهم ، في حين انهم يرونه مطابقا للقوانين ، لا انهم يرونه خلاف القوانين ، ولذا قال سبحانه
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
« 1 » .
وقال تعالى
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ
« 2 » فإن اللين ليس في الكلام فحسب ، بل في العمل أيضا .
هامش
( 1 ) سورة الأعراف ، الآية : 199 .
( 2 ) سورة آل عمران ، الآية : 159 .