كثير منهم عند الفتح .
امّا أن يحاسب الناس على سابق أعمالهم ويؤاخذهم بها فلا ، نعم أهدر دم عدد قليل في الفتح لعظم جرمهم ، وكبر جنايتهم ، لكنه مع ذلك لما أسلم بعضهم كوحشي قاتل عمّه حمزة عليه السّلام ، عفى عنهم وتركهم وشأنهم .
وكذلك فعل علي عليه السّلام لما وصل إلى الحكم ، مع وضوح كثرة المخالفين والمرتكبين للآثام في خلافة الثالث وقد تمكن الآن منهم .
وكذا فعل عليه السّلام في حرب الجمل فإنه لما ظفر بهم عفى عنهم وقال عليه السّلام في ذلك : « مننت على أهل البصرة كما منّ النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم على أهل مكّة » « 1 » .
نعم انه عليه السّلام قال كلاما في قطائع عثمان - كما في نهج البلاغة - يستشم منه رائحة المؤاخذة ، لكن الظاهر أنه كان مجرّد تهديد ، فإنّه لم يتجاوز في فعله عليه السّلام معهم فعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مع أهل مكة ، الذين استحلّوا داره ودار أصحابه وأقرباؤه في مكّة ، حيث إنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لم يسترد شيئا منها ، بل كان صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يذهب مدّة بقائه في مكّة إلى الخيام التي نصبها في المعسكر خارج مكّة ويعيش فيها إلى أن خرج منها ورجع إلى المدينة ، وكذلك فعل علي عليه السّلام مع قطائع عثمان حيث لم يسترد منها شيئا .
وهذا من أهمّ موازين العقل وأدقّ علامات الحنكة السياسية ، وأضبط سمات التجربة في إدارة البلاد والعباد ، وذلك لأن القائد إذا ورّط نفسه بهكذا أمور ، كان معناه : تكثير الأعداء حوله من جانب ، وركود اصلاحاته ، وعدم نموّه واطّراد تقدّمه من جانب آخر .
ثم إنه حتى لو فرض ان الأمر من باب الأهمّ والمهمّ - لا من باب الأسوة - لكان كافيا ذلك فيما ذكرناه .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 32 ، ص 329 ، ب 8 ، ح 308 - 317 .