علماء كل بلد منهم ، وإلى عادات وتقاليد كل شعب من أولئك الشعوب ، ان يرى التناسب الكامل بين الأمور ، فتقاليد وعادات كل شعب تنعكس في فلسفة علمائها ، ومن الاثنين تؤخذ القوانين .
إذ من الواضح : انّ كل مفكر يتلون فكره - عادة - بلون عصره وأمته ، من غير فرق بين ان يكون ذلك المفكر دينيا أو فلسفيا أو قانونيا ، سواء كان ذلك المفكر له نزعة إلى الدّين أم إلى الإلحاد أم إلى سائر مناحي الحياة .
بل ذهب ابن سينا إلى أكثر من ذلك ، حيث قال : بان أعشاب وعقاقير كل بلد يناسب مزاج أهله .
وهذا ليس ببعيد إذ الإنسان وكذلك الحيوان أيضا باعتبار نموّه من الأرض نوع من النبات - كما أن الفكر نبات أيضا - قال سبحانه
فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً
« 1 » وقال تعالى
وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً
« 2 » .
نعم ، مسرح الفكر أوسع ، ولذا نرى ان كل بلد ينمو ، وينمو دين ذلك البلد وعاداته وتقاليده وعرفه جنبا إلى جنب .
نعم ، من الممكن ان تهبّ عاصفة تغيّر الأشياء تغييرا ، كما حدث في الغرب تخلصا من الكنيسة ، أو في الشرق استدراجا إلى الشيوعيّة ، لكن العاصفة ان كانت خلاف الفطرة لا تلبث ان تزول وترجع الأمور إلى ما هو الأقرب من الفطرة ،
فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ
« 3 » وان كانت وفق الفطرة لبثت وترسّخت
فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ
« 4 » ولذا بقي الإسلام ، وكلّما أريد إزاحته لم يكن الأمر إلّا
هامش
( 1 ) سورة آل عمران ، الآية : 37 .
( 2 ) سورة نوح ، الآية : 17 .
( 3 ) سورة الروم ، الآية : 17 .
( 4 ) سورة الرعد ، الآية : 17 .