وقال عبد الرحمن بن عوف : « ما مات عمر بن الخطّاب حتّى بعث إلى أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فجمعهم من الآفاق ؛ عبد اللّه بن حذيفة ، وأبا الدرداء ، وأبا ذرّ ، وعقبة بن عامر ، فقال : ما هذه الأحاديث التي أفشيتم عن رسول اللّه في الآفاق ؟ قالوا : تنهانا ؟ ! قال : لا ، أقيموا عندي ، لا واللّه لا تفارقوني ما عشت فنحن أعلم ، نأخذ منكم ونردّ عليكم ، فما فارقوه حتّى مات « 1 » » .
والّذي يظهر من ملاحظة هذه النصوص وغيرها - ممّا لم نر ضرورة في التعرّض لها - هو : أنّ مبدأ الخليفتين كان هو عدم التحديث بالرواية ، لا المنع عن تدوينها فقط - كما اشتهر - وعليه فكيف يتلاءم هذا المبدأ - مع ما عرفت من موقف الرجلين الحاسم تجاه ذلك - مع تحديثهما بالرواية عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ! فإنّ ما عرف عنهما من المبدأ المذكور سوف يلقي ظلالا من الشكّ على جميع مرويّاتهما عنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، بل وعن غيره الصحابة .
ولا مجال لتعليل المنع المذكور بكثرة الحيطة منهما تجاه الحديث ، خشية تفشّي وانتشار الأحاديث المجهولة في المجتمع الإسلامي ، فإنّ ذلك خلاف ما تنبئنا عنه رواية قرظة بن كعب المتقدّمة ، من تعليل الخليفة الثاني نفسه .
كما أنّه لا يوجّه بذلك عمل الخليفة الثاني بحقّ أبي ذرّ - رضوان اللّه تعالى عليه - وقد ثبت عنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم القول بحقّه : « ما أظلّت الخضراء ، ولا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ . . . « 2 » » .
هامش
مجمع الزوائد ، ج 1 : ص 149 ، نشر دار الكتاب اللبنانيّ .
( 1 ) - المتّقي الهندي : كنز العمّال ، ج 5 : ص 239 / ح 4865 ، الطبعة الأولى .
( 2 ) - ابن سعد : الطبقات الكبرى ، ج 4 : صص 167 - 168 ، طبع ليدن ؛ الترمذي :
الجامع الصحيح / تحقيق : إبراهيم عطوة عوض ، ج 5 : صص 669 - 670 / ح 3801 ،