وهذا الاصطلاح الأخير شائع في التصنيف الموضوعيّ في المكتبات أو فهرسة الكتب ، حيث يجعل كتب الفقه - مثلا - في جناح خاص من المكتبة ، أو أنّه يدوّن الكتب الفقهيّة في قائمة خاصّة ، كل ذلك تحت عنوان : « الفقه » . ومن هذا المنطلق سمّى قطب الدّين ، سعيد بن هبة اللّه الراوندي ( م 573 ه / 1187 م ) كتابه : « فقه القرآن » .
والمتفاهم في عرف الإسلاميين حتى عصرنا الحاضر إنّما هو أحد المعنيين ، فإذا قيل : « الفقيه » أريد بذلك - حسب العرف القائم - العالم بالمسائل الفقهيّة عن الأدلّة الخاصّة . وإذا قيل : « الفقه » أريد به - لا محالة - أحد المعينين : إمّا العلم بالأحكام . . . ، أو نفس الأحكام . . . ، وكان تعيّن كلّ منهما حسب القرائن المقاميّة وغيرها .
كما أنّه حينما تطلق الكلمة ويراد بها المعنى الثاني ، قد يكون المراد بها الأعمّ من المسائل المقرونة بذكر أدلّتها ، وقد يراد بها خصوص ما اقترن بذكر الأدلّة ، ويقال له : « الفقه الاستدلاليّ » ، وهو اصطلاح شائع في تراجم الفقهاء ، وكمثال لذلك ، فقد الّف شيخنا الطوسي رحمه اللّه كتاب « النهاية » في الفقه ، مقتصرا فيه على مجرّد الفتاوى ، والّف كتابيه « المبسوط » و « الخلاف » - وهو في الفقه المقارن - متعرضا فيهما لأدلّة الرأي المختار ، مع تفنيده لدلائل سائر الأقوال .
وأظنّ : أنّ الحري بنا - ونحن بصدد الإشارة إلى المبدأ التاريخي للكلمة بحسب العرف الإسلامي - أن نفارق بين الإطلاقين من حيث تاريخ نشوئهما ، إذ أن تاريخ نشوء الاصطلاح الثاني - كما يبدو - هو مبدأ تاريخ تدوين الفقه ، وإن نشأة الاصطلاح المذكور قد عاصرت مرحلة التدوين ، في حين كان الاصطلاح الأوّل قد سبقه بكثير من الوقت ، وأنّه كان قائما في عرف الإسلاميين قبل مرحلة التدوين .
المرتقى إلى الفقه الأرقى ( كتاب الزكاة ) — صفحة 18
مساهمون: السيد محمد الروحاني
ص١٨