ثمّ يستشهد أمير المؤمنين بعد ذلك بهذه الآية :
إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا .
ذكر المرحوم الشيخ الأنصاريّ رحمة الله عليه في « المكاسب » في بحث الولاية كلام أمير المؤمنين في « نهج البلاغة » هذا ، وقال : لا نستطيع أن نستدلّ بهذه الرواية على ولاية الفقيه في التصرّف في أموال الغيّب والقصّر ومجهول المالك ، والأوقاف ، وسائر الأمور التي تحتاج إلى وليّ وليس لها وليّ خاصّ ، ولا مالك خاصّ أيضاً .
ومراد الشيخ هنا أنَّ هذه الرواية في مقام بيان وظيفة العلماء من ناحية بيان الأحكام التي هي عبارة عن الإفتاء ، وذلك مختصّ بالأعلم ، ولا يستفاد منها ثبوت سائر مناصب الأنبياء لهم ، لأنّه ليست هناك مناسبة بين الأعلميّة في الأحكام وبين التصدّي في أخذ الزكوات والأخماس وتولّي الموقوفات والتصدّي لُامور الغيّب والقصّر . بينما المناسبة موجودة بين الأعلميّة وبين بيان الأحكام .
وعبارة الشيخ بعد بحث طويل هي : لَكِنَّ الإنْصافَ بَعْدَ مُلاحَظَةِ سِياقِها أو صَدْرِها أوْ ذَيْلِها يَقْتَضي الجَزْمَ بِأنَّها في مَقامِ بَيانِ وَظيفَتِهِمْ مِنْ حَيْثُ الأحْكامِ الشَّرْعيَّةِ ؛ لَا كَوْنِهِمْ كَالنَّبيِّ وَالأئِمَّةِ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِمْ في كَوْنِهِمْ أوْلَى النَّاسِ في أمْوالِهِمْ . فَلَوْ طَلَبَ الفَقيهُ الزَّكَاةَ وَالخُمْسَ مِنَ المُكَلَّفِ فَلا دَليلَ عَلَى وُجوبِ الدَّفْعِ إلَيهِ شَرْعاً .
وبناء على هذا ، فلا يمكننا أن نستفيد من هذه الرواية وجوب دفع الخمس أو الزكاة إلى الفقيه الذي يطالب بذلك ، والذي يدّعي لزوم دفع ذلك إليه حتّى يصرفه في مصارفه ، لأنَّ الرواية في مقام إثبات أولويّة الفقيه من ناحية بيان الأحكام والإفتاء ومن ناحية الدلالة والإرشاد .
نعم ؛ لو سئل فقيه في مسألة ما ، فالرواية تدلّ على حجّيّة قوله .