أمّا في مثل
أَوْفُوا بِالْعُقُودِ
« 1 » - ممّا كانت دلالته بالعموم - فمن جهتين :
الأولى : انصرافه إلى العقود المتداولة المعهودة ممّا هي بلفظ صريح .
والثاني : أنّ المقام مقام بيان وجوب الوفاء بالعقد بعد الفراغ عن صحّته ، وليس في مقام بيان صحّته ، فما هو صحيح يجب الوفاء به ، فلا يمكن التمسّك بها لصحّة معاملة .
قلت : أمّا الانصراف فلا يخفى أنّه منتفٍ موضوعاً ؛ لأنّه ليس من باب الإطلاق ، بل من باب العموم ؛ لأنّ الموضوع ليس طبيعة العقد القابلة للانصراف ، بل هو كلّ فرد من أفراد العقد ممّا هو عقد عرفاً بمقتضى اللام . وكون اللام للعهد بعيد في الغاية .
ويظهر ما في الثاني أيضاً ؛ إذ المفروض عموميته للعقود العرفية ، ولا يختصّ بعقد دون عقد ، فنستكشف من وجوب الوفاء صحّته بالملازمة .
وأمّا قوله تعالى :
تِجارَةً عَنْ تَراضٍ
« 2 » فقد أسبقنا ما في معناه « 3 » ؛ من أنّه للتنويع بين ما كان سببه باطلًا ، وما كان حقّاً ؛ وأنّه يجوز الأكل من كلّ ما كان سببه حقّاً ، ولا يجوز ممّا هو باطل سببه ، وأنّ التجارة عن تراضٍ حقّ ، فيجوز الأكل بها ، ولا يخفى أنّ البيع الواقع بلفظ الكناية أو المجاز ، ليس أكلًا بالباطل ، فلها إشعار في إثبات المراد ؛ لو لم تكن لها دلالة .
وممّا يمكن أن يقال في آية
أَوْفُوا . . .
- على فرض الإطلاق - وآية حلّ التجارة والبيع : أنّ العقلاء يفهمون من وجوب الوفاء وما في معناه ، المعنى
هامش
( 1 ) - المائدة ( 5 ) : 1 .
( 2 ) - النساء ( 4 ) : 29 .
( 3 ) - تقدّم في الصفحة 195 .