ثمّ إنّ الباطل هل أريد به الباطل الشرعي ، أو العرفي ؟ فإن أريد به الشرعي - كما توهّم « 1 » - أشكل التمسّك بها في موارد الشبهة ؛ لأنّ مفادها حينئذٍ : لا تأكلوا أموالكم بالطرق غير الشرعية ، ولكن انتفعوا بها من الطرق الشرعية ، فإذا شككنا فلا ندري هو من هذا الطريق أو ذاك ، يكون من الشبهة المصداقية .
ولكن هذا الاحتمال في غاية البعد ؛ إذ الخطابات تنزّل على المفاهيم العرفية ، ولا اصطلاح للشرع فيها ، فليكن المراد بالباطل ما أبطله العرف ، كالقمار ، والسرقة ، ونحوهما ، فيكون الشارع قد منع ذلك ، وأباح خصوص التجارة . ومن مقابلة هذه الإباحة بالمنع وإيراد لفظ الباطل في الممنوع ، علم أنّ المناط في الممنوع البطلان ، وفي المباح الحقّ ، إذن فلينظر ذلك في كلّ حقّ وباطل . هذا ما يستفاد من نفس الآية بالإمعان .
ولعلّ أحداً يتوهّم : أنّ المباح خصوص البيع ، وما عداه ممنوع كلّه . وببالي أنّ صاحب « المجمع » « 2 » أورد قصّة جماعة أمسكوا عن المراودات بعد نزول الآية ؛ بزعم أنّ الآية منعت كلّ شيء سوى البيع ، فأشكل عليهم غير البيع ، وهذا كما ترى .
ثمّ إنّ التقييد بالتراضي يدلّ على أنّها بصدد البيان لكلّ ما له دخل ، فينعقد بذلك لها الإطلاق ، هذا . والإطلاق مسلّم ولو لم يكن هذا أيضاً ، كما مرّ « 3 » .
ولنا أن نستدلّ بها لإباحة مثل الحيازة وأشباهها بعد ما كانت عند الناس
هامش
( 1 ) - زبدة البيان : 427 .
( 2 ) - مجمع البيان 3 : 59 .
( 3 ) - تقدّم في الصفحة 116 .