إذن فمجرّد حرمانه من التصرّف في داره ومنعه من حفر البالوعة لا يكون ضرريّاً بالنسبة إليه ، لأن الضرر فرع نقصان ما هو واجد له ، والمفروض عدم وجدانه لمثل هذه السلطنة بالنظر العقلائي ، ليكون سلبها منه ضرراً عليه . والحاصل أن التعارض بين الضررين لا يتصوّر إلّا حين تفرض تلك المئونة الزائدة .
البحث الثاني : بعد فرض تعارض الضررين ، فهل مقتضى القاعدة تساقطهما ، أم جريانها في أحد الفردين دون الآخر ؟ ذهب الميرزا النائيني ( قدس سره ) إلى أن القاعدة تجري لنفي سلطنة المالك على حفر البالوعة فتحرّم عليه ذلك ، ولا تجري لنفي حرمة الحفر وإن كان ضرريّاً عليه أيضاً . وبرهن على ذلك ، بأن هذا الحكم وليد القاعدة فلا يمكن أن ينفى بها .
توضيح ذلك : أنه لكي تجري القاعدة لا بدّ من فرض حكم ثابت في الرتبة السابقة عليها ، وذلك الحكم الذي يراد نفيه ، يمكن أن يكون أحد أمرين ، إما سلطنة المالك ، أو حرمة التصرّف عليه ، ولا معنى لكون كلا الحكمين مجعولًا بالأدلّة الأوّلية [ 1 ] . وإن كان ( قدس سرّه ) يرى أن المجعول هو سلطنة المالك
هامش
[ 1 ] قال الميرزا في قاعدة « لا ضرر » : « وبالجملة لا معنى لتعارض ضرر المالك وضرر الغير ، لأنه لا يمكن أن يصدر حكمان متضادان من الشرع ، فالحكم المجعول منه إما جواز تصرّف المالك في ملكه ، وإما عدم جوازه . فإذا كان جواز التصرّف كما هو مفاد « الناس مسلّطون على أموالهم » فلو كان ضرريّاً على الغير ، فهو مرفوع بقاعدة « لا ضرر » ولو استلزم رفع هذا الحكم الضرر على المالك ، فإن الضرر الناشئ عن رفع السلطنة من باب حكومة « لا ضرر » يستحيل أن يدخل في عموم « لا ضرر » . وإذا كان الصادر منه عدم جواز تصرّف المالك ، فهذا الحكم حيث إنه ضرري على المالك فهو مرتفع ولو استلزم رفع عدم الجواز الضرر على الجار .
فضرر المالك بناءً على الأوّل وضرر الجار بناءً على الثاني لا يدخل في عموم « لا ضرر » لأن الضرر الناشئ عن حكومة « لا ضرر » على الأحكام الجوازية ، وهكذا الضرر الناشئ من حكومة « لا ضرر » على الأحكام التحريمية لا يعقل أن يدخل في عموم « لا ضرر » .
( منية الطالب ، ج 2 ، ص 225 ) .