أوّل الأمر مختصة ببعض حيثيات التصرّف في المال ، من قبيل من يشتري عبداً جانياً تعلّق به حق الجنابة ، فأصبح ملكاً له ، فإن أخذ المجني عليه حقّه من الجاني لا يعدّ ضرراً على المشتري ، لأن ملكيته من أوّل الأمر لهذا العبد كانت بهذا النحو لا أكثر من ذلك .
بعد أن عرفنا الفرق بين هذين الفرضين نقول : إنّ مرجع وجوب الردّ أو جواز الإبقاء بحسب الحقيقة ، إنما هو تضييق لدائرة السلطنة ، بمعنى أن الارتكاز العقلائي يقتضي أن لكل إنسان سلطنة على ماله ، إلّا أنه في المقام لا يمكن فرض سلطنة مطلقة للمالك في منفعة أرضه واستردادها من المستأجر ، وسلطنة مطلقة للمستأجر على حفظ زرعه ولو من خلال إبقائه في أرض الغير . مثل هاتين السلطنتين لا يمكن جعلهما معاً في عرض واحد . من هنا لا بدّ من فرض ضيق في إحدى السلطنتين أو كلتيهما . إما أن نقول بثبوت حق مالك الأرض بنحو يستبطن سلطنة مطلقة على أرضه ومنافعها ولو تلك الحصة الملازمة لإتلاف مال الغير ، وهذا لازمه أنه لا سلطنة لصاحب الزرع على حفظ زرعه إذا طالب المالك بردّ الأرض ، فيكون من قبيل شراء العبد المشغول ذمّته بحق للمجني عليه ؛ حيث إنه زرع في أرض مستأجرة من الغير ، فمن أوّل الأمر ملك زرعاً في أرض مبتلاة يحق الإتلاف من قبل مالكها . في مثل ذلك لا يكون وجوب الردّ ضرريّاً ، لأن ضررية وجوب الرد كما بيّنا مراراً ليست تكوينية كقطع اليد مثلًا ، وإنّما هي من الإضرار الاعتبارية بلحاظ الارتكازات العقلائية والتشريعية الثابتة في الرتبة السابقة . فإذا لم يثبت مثل هذا الحق للمستأجر في المرتبة السابقة ، لا يكون وجوب الردّ ضرريّاً عليه ، بل يكون عدم وجوب الردّ من قبل الشارع ضرريّاً ، لأن العقلاء يرون أن المالك له السلطنة على استرجاع منفعة أرضه حتى هذه الحصّة الملازمة لتلف الزرع ، فسلب هذا الحق من
لا ضرر ولا ضرار من أبحاث الشهيد محمد باقر الصدر — صفحة 337
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٣٧