هذا مما لا تستسيغه الأذهان العرفية .
الوجه الثالث : الاستناد إلى كلمة « في الإسلام » الواردة في بعض صيغ الحديث ، بتقريب أن الإسلام هو عبارة عن مجموعة الأحكام التي جاء بها النبي الأكرم ( صلى اللَّه عليه وآله ) من عند اللَّه تعالى ، فيكون مصبّ النفي تلك الأحكام ، ومن المعلوم أن العدم ليس ممّا جاء به النبي ( صلى اللَّه عليه وآله ) فليس هو من الإسلام ، فلا يكون مشمولًا للقاعدة .
هذا الوجه أيضاً غير تام وذلك أوّلًا : أن كلمة « في الإسلام » غير ثابتة في الصيغة المعتبرة لهذا الحديث . وثانياً : أن الإسلام عبارة عن مجموعة الحدود والمواقف الشرعية التي فرضها اللَّه تعالى للناس في حياتهم ، ومن الواضح أن ذلك لا يختص بخصوص الأحكام الوجودية ، بل يشمل العدمية أيضاً ، فتكون جميعاً داخلة في الإسلام بما هو دين ، والتعدي عنها خروج عن زي العبودية للَّه تعالى . من هنا فلا يمكن أن تكون هذه الكلمة قرينة على تخصيص المنفي بخصوص الأحكام الوجودية المجعولة للشارع .
وهكذا يتضح عدم تمامية الوجوه التي ذكرت لنفي الإطلاق في القاعدة وإثبات القصور الذاتي فيها ، خصوصاً على المسلك المختار في تفسيرها . وإنما الصحيح تمامية الإطلاق للحديث بالنسبة إلى الأحكام العدمية أيضاً .
ثم إن ما ذكرناه هو الصحيح في إبطال دعوى القصور الذاتي وعدم الإطلاق في القاعدة ، لا ما تكلّفه بعض [ 1 ] بأن الاعدام أيضاً مجعولة للشارع
هامش
[ 1 ] قال السيد الخوئي ( قدّس سرّه ) في الدراسات : « إن عدم جعل الحكم في موضع قابل للمحل بمنزلة جعل العدم ، ولا سيما مع ورود قوله ( عليه السلام ) : ما حجب اللَّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم » فإنه بمنزلة التصريح بجعل عدم التكليف فيما لم يجعل فيه تكليف ، وعلى ذلك فلا مانع من شمول نفي الضرر للأحكام العدمية أيضاً .
وإن شئت قلت : كما أن ثبوت بعض الأحكام من الإسلام ، فينتفي عند كونه ضرريّاً . كذلك عدم الحكم في بعض الموارد يكون من الإسلام ، فينتفي عند كونه ضرريّاً » . دراسات في علم الأصول ، ج 3 ، ص 528 .
وقريب منه ما في مصباح الأصول ، إلا أن أضاف : « هذا من حيث الكبرى ، إلا أن الصغرى لهذه الكبرى غير متحققة ، فإنا لم نجد مورداً ، كان فيه عدم الحكم ضرريّاً ، حتى محكم برقعه وبثبوت الحكم بقاعدة « لا ضرر » .
مصباح الأصول ، السيد محمد سرور الواعظ الحسيني البهسودي ، مطبعة النجف سنة 1386 ه . ج 2 ، ص 560 .