هامش
الحاصل في الظواهر والتركيبات اللغوية . فإنه كما يختلف المدلول التصوّري والوضعي لكلمة واحدة من عصر إلى آخر وهو المسمّى بالنقل عندنا ، كذلك يختلف المدلول السياقي للجملة التركيبية ، بحيث إن ظهور جملة بمجموعها وإن كانت كل مفردة فيها باقية على معناها الموضوع له ، ولم يختلف باب الوضع فيها ، إلا أن الظهور السياقي للمجموع المركّب قد يعطي في عصر معنىً يختلف عمّا يعطيه في عصر آخر ، وذلك باعتبار اختلاف حياة الناس وتجدّد أفكارهم ومعلوماتهم ونحوها . بل قد نجد التغيّر في الظهورات التصديقية والسياقية يتفق بالنسبة إلى طبقة دون أخرى ، وإن كانوا جميعاً يعيشون في عصر واحد ، من قبيل أن يعيش صنف من الناس أبحاثاً مخصوصة تجعلهم يفهمون معنىً من جملة ، لو أُلقيت على آخرين لم يعيشوا تلك الأبحاث لفهموا منها معنىً آخر . نعم هناك ثبات نسبي لفترة معينة ، إلّا أن هذا الثبات لو لوحظ مع عمود الزمان لم يكن كذلك .
والحاصل أن ظواهر اللغة والكلام تتطور وتتغيّر على مرّ الزمن ، بفعل مؤثرات مختلفة لغوية وفكرية واجتماعية ، فقد يكون ما هو المعنى الظاهر في عصر صدور النص مخالفاً للمعنى الظاهر في عصر السماع الذي يراد العمل فيه بذلك . من هنا قد يفصّل بين الشخص الواقع في قطعة الثبات من اللغة ، وبين الآخر الواقع في عمود الزمان الخارج عن هذه القطعة النسبية لثبات اللغة ، فيقال إن الظهور حجّة بالنسبة إلى الأوّل دون الثاني .
وقبل الإجابة عن هذا التساؤل لا بدّ أن نرى موضوع الحجية ، هل هو الظهور في عصر صدور الكلام أم في عصر السماع المغاير له ؟ إنْ فُرض أنّ موضوع الحجّية هو الظهور في عصر السماع ، فهذا لازمه أن هذا الظهور الفعلي هو الحجّة علينا ، كما كان الظهور المعاصر لزرارة مثلًا هو الحجّة عليه . وهكذا بالنسبة إلى كلّ عصر . إلّا أن التحقيق بين الأصوليين أن موضوع الحجية ليس هو الظهور في عصر السماع ، بل هو الظهور في عصر الصدور ، وذلك لأن حجية الظهور من الأصول العقلائية الثابتة بملاك الكشف النوعي ، لا بملاك التعبّد الصرف ، ومن المعلوم أن ما هو الكاشف عن مراد الشارع إنما هو الظهور في عصره لا في عصرنا ، لأن ظاهر حال المتكلِّم أن إرادته الجدّية على طبق ما هو ظاهر كلامه بحسب قواعد اللغة المعاصرة له .
وعلى هذا الأساس تتولّد مشكلة أساسية مهمّة في فهم النصوص ، مفادها أنه كيف يثبت أن هذا الظهور الفعلي بعد ما عرفنا من حقيقة اللغة وطبيعتها في التغير والتطوّر ، كأي ظاهرة اجتماعية أخرى ، وإن كان ذلك بطيئاً مطابق للظهور المنعقد في عصر صدور النص . وقد حاول الأصوليون أن يعالجوا المشكلة من خلال أصل عقلائي أسموه أصالة عدم النقل ، وقد يسمّونه بالاستصحاب القهقرائي ، لأنه يشبه