فحينئذ ؛ لو علمنا وقطعنا بكون مدرك شهادة المزكّي الأصل ، مع ذلك لا يضرّ بالشهادة أصلا كيف مع الظنّ بذلك ، كما قالوا بأنّ الأغلب مدرك شهادة المعدّل الأصل واعتماده عليه ، بمعنى : أنّ كون مدرك شهادته ذلك لا يوجب أن لا يكون منافيا مع شهادة الجارح بعد القطع بأنّ « صدّق العادل » لا يدلّ إلّا على ترتيب الأثر على نفس ما شهد به من دون نظر إلى الجهات والأسباب ، فلذلك يقع التعارض بين شهادته على التزكية وشهادة الجارح على الجرح والفسق .
فبذلك ظهر النظر في ما في كلام « الجواهر » في المقام ، حيث ألحق إطلاق الشهادة بالعدالة والفسق بصور اختلاف الشهود القابل للجمع دون تعارضها ، نظرا إلى كون مدرك شهادة المزكّي غالبا الظنّ « 1 » ، فتبصّر .
وأمّا في الصورة الثالثة ؛ فقد يتوهّم فيها أيضا عدم التعارض ، نظرا إلى كون مدرك أحدهما الأصل الّذي لا ينافي مع العلم ، وقد عرفت أنّه لا مدخليّة للمدرك في ما هو محلّ الابتلاء وإنّما يجيء تحت دليل التعبّد ليس إلّا نفس ما شهدا به ، إذ المفروض أنّه بمقتضى دليله التعبّدي من الاستصحاب ونحوه يخبر عن العدالة أو الفسق الواقعيّين ، وليس يتعلّق دليل التعبّد بهذا المدرك أو المدرك الآخر وهو علمه ، وإنّما يتعلّق بنفس ما شهدا به وهو العدالة والفسق مطلقة ، فيقع التعارض بينهما ، ولا يمكن الجمع بعد عدم المدخليّة للمدرك في باب الشهادة ، كما لا يخفى ، فالتحقيق في هذه الصورة إلحاقها بصور التعارض .
وأمّا الصورة الرابعة ؛ فلا إشكال في كونها من التعارض وعدم إمكان الجمع بين القولين والشهادتين ، كما هو واضح .
هامش
( 1 ) جواهر الكلام : 40 / 120 و 121 .