وليس في منطوق الحديث ما يقتضي ذلك إلّا مناسبة الحكم للموضوع ، وهي لا تعيّن عنوان نجس العين ، بل هي أعمّ منه ومن المتنجّس بنجاسته . فمن أين يجيء الاختصاص بنجس العين إن أجريت الأمور على موازينها ؟ بل غاية ما يقال في الحديث هو الإجمال في المراد منه من هذه الجهة ، بمعنى أنّ بيانه يكون منوطا ببيان الشريعة لما ينجّس وما لا ينجّس .
والحاصل : أنّ التقييد بنجس العين يحتاج إلى مئونة زائدة على مناسبة الحكم للموضوع ، وكذا التجوّز ، ولا منشأ لشيء من ذلك .
فإن قلت : إنّ الظاهر هو اعتبار كون النجاسة ذاتيّة للشيء ، والمتنجّس نجاسته بالعرض .
قلنا : إنّ مناسبة الحكم للموضوع إنّما هو لحاظ يدعو إليه تصحيح الكلام فيقدّر بقدره ، وإنّ مؤدّاها ليس ملحوظا بالأصالة وله عنوان في اللفظ لتكون له انصرافات ولوازم يدلّ عليها بالالتزام .
فإن قلت : إنّ القذر بالذات إذا قذّر شيئا ثمّ تقذّر بملاقاة ذلك الشيء شيء آخر وهكذا ، فإنّ العرف قد ينسبون التقذير في جميع المراتب إلى القذر بالذات ، كالنخامة والقيح مثلا ؛ لأنّه هو المنشأ في القذارة والتقذير ، وأولى بالنسبة بحسب بعض الدواعي من المتقذّر الملاقي الذي هو بمنزلة الآلة ، وببناء أمر النجاسة الشرعيّة وتنجيسها على أمر القذارة والاستقذار ينسب التنجيس لملاقي المتنجّس وهكذا إلى نجس العين وإن لم تكن الملاقاة له ولا هو الفاعل للتنجيس - كنسبة الفعل إلى سببه دون فاعله في المجاز العقلي . وبهذا الاعتبار يصحّ أن يراد من لفظ « شيء » نجس العين بعنوان أنّه المنجّس الأصلي ، وبهذا اللحاظ يسقط ما مهّده دام فضله .
ولعلّه إلى هذه الجهة نظر شيخ مشايخنا قدّس سرّه في كتابه في الطهارة ، وكذا أمثاله من القائلين بالتنجيس حيث اعتبر كون التغيير للماء بصفة النجاسة دون صفة المتنجّس ،
الرسائل الفقهية — صفحة 133
مساهمون: الشيخ محمد جواد البلاغي
ص١٣٣