المركوز في الأذهان كما عرفت ، ولدلالة جملة من الأخبار على أنّ الرطوبة الملاقية لعين النجاسة توجب تنجيسها ولو زالت عين النجاسة وارتفعت .
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الأخبار التي يستفاد منها هذا التفصيل ولو من مجموعها كثيرة جدّا .
فمنها : قوله عليه السّلام في الصحيح عن معاوية بن عمّار ، عن أبي عبد اللّه : « إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء » « 1 » .
وفي الصحيح عن محمّد بن مسلم ، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام عن الماء تبول فيه الدوابّ وتلغ فيه الكلاب ويغتسل فيه الجنب ؟ قال عليه السّلام : « إذا كان قدر كرّ لم ينجّسه شيء » « 2 » . إلى غير ذلك من أخبار الكرّيّة المعلّقة لحكم المنطوق والمفهوم على لفظ « شيء » الظاهر بعين النجاسة ، وأنّ التنجيس إنّما يحصل بشيئيّته لا بشيئيّة أمر آخر حكم عليه بالنجاسة ؛ لأنّ ذلك محض حكم لا شيئيّة فيه ولا عينيّة توجب التنجيس .
نعم ، لا يبعد صدق التنجيس بنفس العين في صورة كون الرطوبة الملاقية هي التي تلاقي الجسم الطاهر فتكون كالواصل بينهما ولو بعد انفصال عين النجاسة عن تلك الرطوبة ، فيستند التنجيس حينئذ إلى العين عرفا ولو بقرينة بعض الأخبار الحاكمة بالنجاسة في ملاقاة الرطوبة الملاقية لعين النجاسة بعد انفصال عين النجاسة عنها . وليس الحال مع يبس الرطوبة وانقطاع الواصل كذلك ، فلا يستند حينئذ التنجيس في المفروض انقطاع الواصل إلى عين النجاسة ، فيكون خارجا عن منطوق أدلّة الكرّيّة ومفهومها .
ولا يخلو حينئذ أن يكون للكرّيّة وعدمها أثر في دفع النجاسة من غير نجس العين أم لا ، فإن كان الأوّل وكانت الكرّيّة أيضا دافعة للتنجّس بالمتنجّس وعدمها موجب لعدم دفعه به ، فذلك مناف لظاهر أخبار الكرّيّة من انحصار الأمر في
هامش
( 1 ) . الكافي 3 : 2 ، باب الماء الذي لا ينجّسه شيء ، ح 1 ؛ تهذيب الأحكام 1 : 40 ، ح 109 ؛ الاستبصار 1 : 6 ، ح 2 .
( 2 ) . تهذيب الأحكام 1 : 39 ، ح 107 .