قال القاضي نور الله التستري رحمه اللّه في مقام الردّ على الحكاية المذكورة :
وأمّا قوله : « ولقد سألت » إلى آخره ، ففيه : أنّه يقال لذلك الجبل : جبل عامل ب « اللام » دون « الراء » ومن هذا يفهم أنّ وصوله هنالك وسؤاله عن علمائه فرية بلا مرية .
وأمّا قوله : « فأنصفوا » إلى آخره ، ففيه : أنّ هذا لا يدلّ على اعترافهم بعدم إقبال نفوسهم إلى الصلاة بالمسح كما ذكره في السؤال عنهم ؛ لأنّ الغسل عندهم مستحبّ ، فمن واظب على هذا المستحبّ صدق في قوله : إنّه لا يصلّي الصلاة بلا غسل الرّجل ، كما يشعر به ما نقله آخرا من جمعهم بين المسح والغسل ، ولعلّهم اتّقوا عنه فضحكوا على لحيته بتلك العبارة المحتملة للأمرين .
ثمّ الجمع كما يمكن أن يكون للاحتياط والخروج عن الخلاف ، يمكن أن يكون لاستحباب الغسل بعد المسح كما ذكرنا ، وأن يكون للتقيّة « 1 » . انتهى .
وعلى هذا فلا شبهة في كون المسألة إجماعيّة ، بل ضروريّة ، وحكاها جماعة عن جماعة من الصحابة والتابعين - كابن عبّاس وأنس وعكرمة وأبي العالية والشعبي - وعن جماعة من العامّة أيضا « 2 » .
ولكنّ الشافعي وأبا حنيفة ومالكا وأحمد بن حنبل ومتابعيهم يرون تعيّن الغسل « 3 » .
وحكي عن داود والناصر للحقّ من الزيديّة : وجوب الجمع بين الأمرين « 4 » .
وربما يقال : إنّه مخالف للإجماع .
وعن أبي الحسن البصري وابن جرير الطبري وأبي عليّ الجبائي التخيير بينهما « 5 » .
هامش
( 1 ) إحقاق الحقّ ، ص 349 .
( 2 ) المغني لابن قدامة ، ج 1 ، ص 150 - 151 ؛ الشرح الكبير ، ج 1 ، ص 146 - 147 ؛ المجموع شرح المهذّب ، ج 1 ، ص 418 ؛ أحكام القرآن لابن العربي ، ج 2 ، ص 577 ؛ الانتصار ، ص 106 ، المسألة 14 ؛ مجمع البيان ، ج 2 ، ص 164 ، ذيل الآية 6 من سورة المائدة ( 5 ) ؛ منتهى المطلب ، ج 2 ، ص 60 - 61 .
( 3 ) بداية المجتهد ، ج 1 ، ص 15 ؛ المغني لابن قدامة ، ج 1 ، ص 150 ؛ الشرح الكبير ، ج 1 ، ص 146 ؛ المجموع شرح المهذّب ، ج 1 ، ص 417 .
( 4 ) حكاه عنهما الطبرسي في مجمع البيان ، ج 1 ، ص 164 ، والفخر في التفسير الكبير ، ج 6 ، ص 164 ، ذيل الآية 6 من سورة المائدة ( 5 ) .
( 5 ) راجع المغني لابن قدامة ، ج 1 ، ص 151 ؛ بدائع الصنائع ، ج 1 ، ص 5 ؛ والمجموع شرح المهذّب ، ج 1 ، ص 417 .