بالبلّة ولم يقيّد البلّة في الأخبار بالقلّة ؛ وللخروج من العسر والضيق ، وأنّه لم يعهد أنّهم :
أمروا بتخفيف الرطوبة ، خصوصا في مواقع التعليم مع عموم البلوى ووقوع الحاجة ؛ إذ لا تخلو اليد في أكثر الأحيان بعد الفراغ من الوضوء عن رطوبة يحصل به مسمّى الغسل ، ولم ينقل أنّهم : كانوا ينفضون الأيدي تخفيفا للرطوبة ، مع توفّر الدواعي على نقل أمثاله إن كانت ، ولم يذكر السلف أيضا ذلك ، فلا يبعد أن يحصل بمجموع ذلك الظنّ بما ذكرنا ، وحينئذ كانت المقابلة بين المسح والغسل في الآية باعتبار المغايرة لا المباينة الكلّيّة ، والمراد من الغسل الممنوع منه في الخبر الغسل بدون المسح أو مع قصد وجوب الغسل « 1 » .
انتهى .
ولكن يرد الكلام على موضعين منه :
أحدهما : اعتبار الرطوبة في مفهوم المسح ، إلّا أن يريد به الاعتبار شرعا ، فليتأمّل .
وثانيهما : الفرق بين الجريان القليل والكثير ، مع أنّ إطلاق الدليل يقتضي عدمه .
وكيف كان ، لا شبهة في ضعف القول الثاني بعد مساعدة إطلاق الكتاب والسنّة على خلافه .
نعم ، قد يستدلّ له بوجهين :
أحدهما : أنّ المقابلة بين المسح والغسل في الآية تقتضي أنّ بينهما التباين الكلّي ، والإتيان بأحد المتباينين لا يوجب الامتثال بالآخر .
وتوضيح ذلك : أنّ الغسل عبارة عن جريان الماء على المغسول وانتقاله من جزء إلى غيره ، والمسح عبارة عن جرّ الشيء على الشيء ، فهما فردان متغايران متباينان لكلّيّين متباينين . قال في الجواهر :
فإمرار اليد فرد المسح ، وجريان الماء فرد الغسل ، وليس الإمرار مع الجريان مسحا ولا غسلا حتّى يكون ذلك محلّ اجتماع للكلّيّين « 2 » . انتهى .
وفيه ما لا يخفى ؛ إذ ليس مفهوم الغسل هو الجريان ، بل هو الإجراء لو اعتبرنا الجريان كما هو المشهور ، وصدق الإجراء والإمرار على مفروض المسألة ممّا لا ينبغي إنكاره .
هامش
( 1 ) ذخيرة المعاد ، ص 30 .
( 2 ) جواهر الكلام ، ج 2 ، ص 360 .