قيل : تمثيله باعتبار اختلاف الوضع والاستعمال في الأكول أيضا وإن كان الأمر فيه على العكس ، حيث إنّ الوضع فيه على التعدّي ، يقال : أكل الطعام ، وآكله ، إلّا أنّه يستعمل في كثير الأكل من غير ملاحظة المفعول . انتهى .
وللتأمّل فيه مجال ؛ إذ حذف المفعول من الأكول ليس لكونه لازما ، بل لإرادة الزيادة في المبالغة ، كما يقال : « فلان معطاء » يراد به العموم في العطاء ، فليتأمّل . ويأتي للتمثيل وجه آخر .
وكيفما كان فقد أورد على تلك الآيات : بأنّ لفظ ما فيها نكرة في سياق الإثبات ، فلا تفيد العموم المدّعى بشهادة العرف والاستعمال ، كما بيّن في الأصول .
وبأنّ غاية ما تدلّ عليه طهوريّة مياه السماء خاصّة ، والمدّعى طهوريّة المياه مطلقا .
وبأنّ الغرض المطهّريّة بالمعنى الشرعي ، ولم تثبت الحقيقة الشرعيّة بالنسبة إلى لفظ الطهارة .
وعلى الآية الأخيرة : بأنّ المراد بالطهور هو : الطاهر في نفسه خاصّة ؛ لتصريح بعض أهل اللغة « 1 » به ؛ ولقوله تعالى :
وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً
« 2 » حيث إنّه بمعنى الطاهر ؛ إذ لا نجاسة هنا .
ولإجماعهم على أنّ المبالغة في وزن الفعول إنّما تكون بزيادة المعنى المصدري المستفاد من مصدر « فعلة » الذي يشتقّ منه ، وشدّة هذا المعنى وتكراره ، ألا ترى أنّه لا يقال له : « ضروب » إلّا إذا تكرّر منه الضرب أو اشتدّ ، وهكذا سائر ما يرى على هذا الوزن ، بل الأمر كذلك في الفعال وغيره من صيغ المبالغة ، والمطهّريّة ليست من زيادة الطهارة ، بل هي أمر خارج عنها .
وعلى أنّ الفعول إذا كان متعدّيا كان الفاعل من فعله كذلك ، وكذلك العكس ؛ لكونه بدلا عنه ، والطاهر لازم ؛ لما مرّ من لزوم كلّ ما اقتضى النظافة فيكون الطهور كذلك ؛ لأنّه بمنزلته ،
هامش
( 1 ) انظر المصباح المنير ، ص 379 . « ط ه ر » .
( 2 ) الإنسان ( 76 ) : 21 .